|
أدت التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وطبيعة الصراع الدولي منذ بداية القرن الماضي وحتى أواسطه وما تلاه من نهاية للحرب الباردة وعملية حسم الصراع الدولي لصالح الولايات المتحدة -أدت إلى نشوء تحالف وثيق بين راس المال العالمي والسلطة الحاكمة في العالم الثالث بمعناها القانوني بغض النظر عن مدى شرعيتها،الأمر الذي أدى إلى تعاظم امتيازات القائمين على السلطة في العالم الثالث لا سيما السلطات الحاكمة التي تملك السند القانوني لا الشرعي(بدون ديمقراطية) وإفراز تيارات سياسية واجتماعية،كانت دائما عاجزة وغير قادرة على فهم المفهوم الحقيقي للديمقراطية،ليس ذلك فحسب،بل ترفض مجرد الالتزام بها،حيث أن تطبيق النهج الديمقراطي يقود إلى حياة الحرية التي تعتمد على القضاء والقانون كأعلى سلطة مستقلة. لقد استغلت هذه النظم الحاكمة السلطة لمصالحها الذاتية واعتبرتها كامتياز لها،مما أدى إلى حرمان الشعوب من التطور الاجتماعي والثقافي والاقتصادي،وتأسيسا على ذلك،كانت المؤامرات والصراعات تتكالب من كل الأطراف المتصارعة من أجل كسب السلطة بالارتكاز على الدين أو القومية أو الأيديولوجية الاشتراكية والرأسمالية. وكان النصف الأول من القرن العشرين ،وهو القرن الذي تميز بالثورة العلمية والتكنولوجية،قد شهد حربين كونيتين اعتمدتا على الفلسفة القومية المتداخلة بالنزاعات الدينية والفكرية،وكنتيجة لهاتين الحربين، فإن المنهج المعتمد على القومية في الصراع الدولي،قد لفظ أنفاسه الأخيرة،بيد أن التطورات السياسية اللاحقة أدت إلى تبلور صورة مختلفة للصراع كادت تؤدي بالعالم بأسره إلى مجاهل قرون ما قبل التاريخ،وتجلت هذه الصورة الجديدة للصراع في طبيعة العلاقة ما بين الأيديولوجية الاشتراكية والأيديولوجية الرأسمالية،ولم تكن جميع أشكال الصراع السابقة واللاحقة تؤدي إلا إلى تضليل شعوب البلدان النامية المحروقة،مما انعكس(سلبا)على مستوى معيشة الفرد في هذه البلدان،وكانت النتيجة ،فقدانها البوصلة في تحديد أهدافها،حيث اعتمدت الأنظمة الحاكمة(آنذاك)على شعارات نضالية (استهلاكية) ذات طابع عدمي لا يقود أي من أطراف الصراع للسلطة الحاكمة كانت أو شعبا إلا إلى انهيار اقتصادي،لا يمكن تحقيق أي نمو فيه،ولا يؤدي بأي شكل من الأشكال إلى تحسين مستوى الدخل القومي الذي يعتمد أساسا على مستوى دخل الفرد،مما يكرس الحذف وعدم الثقة فيما بين العناصر المكونة للشعب ولا سيما الفرد،حيث لا ضمان لحياته ومستقبله،مما يوقع به في شباك الإحباط والإحساس الدائم بالعجز الفردي،ويؤدي كذلك إلى إضعاف المجتمع ودماره. لقد شهد الربع الأخير من القرن العشرين تطورا ملحوظا في وتيرة الصراع الأيديولوجي الدولي بين الاشتراكية والرأسمالية في محاولة كل منهما توجيه الضربة القاضية للأخرى،والتي بها حسم الصاع لصالح الرأسمالية التي استطاعت أن تنجز ذلك عندما حسمت الحرب الباردة،وتخلي الاشتراكية عن إدامة الصراع الأيديولوجي مع الرأسمالية وبالتالي منيت الاشتراكية بهزيمة نكراء حيث انهار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية برمتها،كنتيجة حتمية جرت بسرعة لم تتوقعها الرأسمالية المنتصرة. وفي محاولة من الرأسمالية متمثلة برؤوسها المختلفة من أجل حسم الصراع ووضع اللمسات الأخيرة لأشكاله،قررت خوض حرب الخليج الثانية لخلق وضعا كونيا جديد،لم تتصوره الإنسانية يتمثل في خلق نظام دولي جديد،يقوم على أساس وحدانية القوة العظمي المتمثلة في رأس المال الكوني(العالمي) برؤوسه جميعها،ولم يكن بوسع الكثير من الدول الإقليمية تصور ما حدث في حرب الخليج وانهيار المنظومة الاشتراكية. وهكذا عملت الدول الرأسمالية على أن تستثمر ما حدث ،من أجل تحقيق مكاسب وغنائم في غفلة من الزمن على حساب الأيديولوجية الاشتراكية وهي الخاسر الأكبر،فنشئ نمط جديد من الصراع حيث تأججت الصراعات الإقليمية وبدأت الصراعات الدينية والقومية في محاولات يائسة للنهوض معتمدة في ذلك على ماكان يربطها من تحالف مصلحي لرأس المال خلال الحرب الباردة،عندما كان يدعم وجودها في السلطة،مستخدمها كرأس حربة ضد شعوبها،وضد الاشتراكية في النصف الأخير من القرن الماضي،ولكنها نسيت أن رأس المال لن يسمح بالعودة إلى الوراء وأنه لن يسمح لخلق أعداء جدد له ولفكره. والواقع ان هذه المحاولات التي اعتمدتها بعض الدول الإقليمية وعلى رأسها دول العالم الثالث،إنما تدل على عدم إدراك طبيعة النظام الدولي الجديد،الذي تحاول الرأسمالية أن تفرضه كطرف منتصر يعتمد الرأس الواحدة لهذا العالم متمثلة في رأس المال نفسه بزيادة النفوذ،وتدجين للأسواق العالمية لتدور في خدمته وطبقا لمصالحه،لا سيما أن نهاية الحرب الباردة قد أعطت،له الحق في فرض تصوره،فارضا نظاما عالميا جديدا يقوم على أحادية النظرية والفكر،ألا وهي نظرية الاقتصاد الحر الذي لا يؤمن أبدا بمبدأ سيادة الدول لا سيما الدول النامية،ودول العالم الثالث،ولكن هذه النظرية مازالت تعاني الكثير من الأمراض الداخلية،والتي من الواجب العمل على علاجها حتى لا تتحول إلى سرطانات تؤذي النظام العالمي الجديد نفسه،ففي حين نرى الازدهار والنمو الاقتصادي تارة ،نرى الركود الاقتصادي الذي يؤدي إلى تفاقم البطالة تارة أخرى ليس فقط في دول العالم الثالث بل وفي الدول الرأسمالية نفسها،والتي هي موطن تكدس رؤوس الأموال،الشيء الذي لا ينذر إلا بالخطر المحدق،والذي من ينبغي التعامل معه قبل تفاقمه،وحتى لا يكون أساسا لصراعات جديدة مختلفة عن السابق لا سيما أن طبيعة الصراع القائم على طبيعة القرن الحادي والعشرين،ألا وهي طبيعة التقدم العلمي كأداة صراع جديدة لن تقود إلا إلى دمار عام أو جزئي في أحسن الأحوال ماسا بذلك كينونة الإنسان والحضارة الإنسانية برمتها.ومن هنا تظهر أهم أهداف رأس المال المنتصر،وهو الحفاظ على الأمن العالمي،وعليه فان تحقيق هذا الهدف يجب أن لا يتم على حساب دول العالم الثالث، التي عليها أن تدرك حقيقة الواقع وطبيعة الحضارة الإنسانية الحالية وتداخل روافدها التاريخية ،كما عليها أيضا أن تعمل على تحقيق الأمن العالمي ضمن حدود العمل المشترك بين دول العالم الأول وبين دول العالم الثالث لتحقيق حلم إنساني طال انتظاره وهو حرية الفرد والنهوض به في ظل الأمن والاستقرار العالمي،وذلك بتقليص الفارق بين العالم الأول والعالم الثالث. ولا شك إن هذا الحلم الإنساني(المشروع) لن يتحقق إلا من خلال اتباع آلية واضحة المعالم تتمثل في: 1ـ اعتماد تحقيق الأمن العالمي والإقليمي كهدف يجمع عليه كل اطرف الصراعات السابقة والحالية،فهو هدف رأس المال المنتصر ودول العالم الثالث متمثلة في دولها وشعوبها،ولتحقيق ذلك تبرز هنا معضلة يجب أن تحوز على اهتمام هذه الأطراف للوصول إلى هدفها ألا وهي المعضلة التي تتمثل في العمل على تطوير وتحقيق اقتصاديات الدول النامية،والتي هي بحاجة إلى تحقيق البنية التحتية كعمود فقري للتنمية وتحقيق الأمن،وهي بحاجة أيضا إلى تضامن وتعاون الأطراف ولا سيما الشعوب المتمثلة في الأفراد والمؤسسات وراس المال المحلي والعالمي،ويجب ألا تقوم آلية التنمية ولا بأي حال من الأحوال على مبدأ الاتكالية وانتظار مساهمة طرف دون الأخر،وهنا يتبلور التحالف العضوي بين راس المال العالمي ودول لعالم الثالث،الشيء الذي يؤدي إلى استمرارية الأمن والاستقرار،حتى لا يعود العالم إلى صراع دموي جديد لن يرحم الإنسانية هذه المرة،حيث أصبحت القدرات العلمية ليست حكرا على دول العالم المتقدم الشيء الذي يزيد الخطورة والتهديد،ولا سيما إذا أسيء استخدام العلم كأداة لحرب عالمية جديدة. 2ـ تحقيق البنية التحتية والبنية الفوقية باعتبار ذلك هو الطريق الأمثل للعمل على توفير المناخ اللازم للعمل على حل مشكلات الرأسمالية ومشكلات العالم الثالث،ومن أهمها تقليص دور الدولة وامتيازاتها،والبطالة التي تعتبر صاعق التفجير في كل الصراعات الإقليمية والدولية.حيث أن دول العالم الثالث كانت على مر الأزمان هي ضحية تلك الصراعات التي دارت بين الدول ،وعلى الأخص الصراع الذي دار خلال الحرب الباردة التي استنزفت كثير من اقتصاد الشعوب على حساب دول العالم الثالث،وأدى ذلك إلى الفارق الكبير بينها وبين دول العالم الأول،ودون اكتراث لهذا الغول المدمر للأمن الإقليمي،وأثره على الاستقرار العالمي،الذي يخشاه الجميع، حيث ان حجم تفاقم هذه الأزمة في دول العالم الثالث سيولد انفجارا يطول بنتائجه دول العالم المتقدم الذي يعتمد في كثير من كينونته الاقتصادية على اقتصاديات دول العالم الثالث التي تقع تحت نير التخلف،ومن هنا كان لا بد إيجاد صيغة أو مشروع جدي للعمل المشترك على حل مشكلة البطالة كمشكلة عالمية تنذر بالخطر قبل أن يزيد تفاقمها. 3ـ ان هذا المشروع يقوم على أساس عالمي يكون هدفه إنهاء البطالة في دول العالم الثالث،بحيث يكون له مؤسساته الدولية التي تتعامل مع مشاكل البطالة الإقليمية والمحلية بمنهج واحد وخطة واضحة وبالتعاون كما ذكرنا بين رأسمال العالمي،ورأس مال دول العالم الثالث المتمثلة بسلطاتها الحاكمة وشعوبها من ناحية أخرى،كأصحاب مشروع تجاري رابح على كل الأصعدة يكون عماده حرية الفرد وعلمانية الدولة(* كاتب،ومفكر،من فلسطين ـ رام الله).
|