إن الإنسان بطبيعته التكوينة مخلووق فطر على التفكير والتدبر،فهو
يتأمل ويتدبر دائما كيف ان العمر يمضي به حثيثاً،وانه في نهاية المطاف، سوف يشيخ
ويصبح ضعيفا، ويفقد صحته وحيويته، وانه يدرك بالتفكير والتدبر ذلك اليوم الذي سوف
يرسل الخالق جلا وعلا فيه الملائكة ليرحل الإنسان معهم عن هذه العالم الفاني،وهل
تساءل الإنسان يوما، لماذا يتعلق الناس بدنيا فانية، فيما هم أحوج الى المجاهدة
لأجل الفوز بالآخرة..؟!
المعلوم ان الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي أنعم الله سبحانه وتعالى
عليه بملكة التفكير والتدبر، ومع ذلك فان معظم الناس لا يستخدمون هذه الملكة ذات
الأهمية الفائقة جدا كما يجب..حتى ان الكثير من هؤلاء الناس يكاد لا يتأمل ويتدبر
أبدا في أمور عاقبته..!!
ان كل إنسان يمتلك قدرة على التفكر والتدبر
هو نفسه ليس على دراية بمداها، وما ان يبدأ الإنسان باستكشاف قدرته هذه
واستخدامها،
حتى يتبدى له الكثير من الحقائق التي لم يستطع أن يسبر أغوارها من قبل.
وهذا الأمر
في متناول أي شخص، وكلما استغرق الإنسان في تأمل الحقائق، كلما تعززت
قدرته على
التفكر. ولا يحتاج الإنسان في حياته سوى هذا التفكر الملي والمجاهدة
الدؤوبة من
بعده..
غايتنا السامية من مناقشة هذا الموضوع التنويري التبصيري ،تتمثل في
دعوة الناس الى التفكير الجاد والمثمر،وابراز الأدوات الموضوعية التي تساعدهم على
تحقيق ذلك، فاٌلإنسان الذي لا يتفكر
يبقى بعيداً كليّاً عن إدراك الحقائق ويعيش حياةً قوامها الإثم وخداع الذات،
وبالتالي فإنه لن يتوصل الى مراد الله من خلق الكون، ولن يدرك سبب
وجوده على هذه
الأرض.. فالله سبحانه وتعالى خلق كل شيء لسبب، وهذه حقيقة ذكرها عز وجل
في القرآن
الكريم بقوله: ?وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين. ما
خلقناهما الا
بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون? الدخان: (38-39)، وقوله:?أفحسبتم أنما
خلقناكم عبثاً
وأنكم الينا لا ترجعون?( المؤمنون: 115)
ومن هنا،يتعين على كل إنسان أن يتفكر في الغاية من
خلقه لأن ذلك له علاقة مباشرة به أولاً، وبكل ما يراه حوله في الكون وكل ما يعرض له
في حياته تالياً. ان الإنسان الذي لا يتفكر، لا يدرك الحقائق الا بعد
الموت حين يقف
بين يدي ربه ليلقى حسابه، وحينها يكون الأوان قد فات. والله تعالى يذكر
في محكم
كتابه إن كل الناس سوف يتفكرون عندما يعاينون الحقيقة في يوم الحساب
?وجيء يومئذ
بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنّى له الذكرى يقول يا ليتني قدمت لحياتي?
]الفجر: 23-24 [
لقد أعطى الله سبحانه وتعالى الإنسان الفرصة للتفكر
واستخلاص العبر ورؤية الحقائق في هذه الحياة الدنيا ليفوز فوزاً عظيماً في الآخرة،
فأنزل الكتب السماوية، وأرسل الرسل داعياً الناس عبرهم للتفكر في
أنفسهم وفي خلق
الكون من حولهم.?أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض
وما بينهما
إلا بالحق وأجل مسمى، وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون? الروم:8
ان الإنسان الذي لا يبذل جهده في التفكر
والتدبر والتذكر يعيش في حالة دائمة من الغفلة، وحالة الغفلة التي
يعيشها أولئك
الذين لا يتفكرون، بما توحيه كلمة الغفلة من التجاهل مع عدم النسيان
والانغماس في
الشهوات والوقوع في الإثم والاستخفاف والإهمال، هي نتيجة من نتائج
تجاهلهم وتناسيهم
للغاية من خلقهم ولكل الحقائق التي يعلمهم إياها الدين، وهذا الأمر
عظيم وخطير
ومؤداه في النهاية الى نار جهنم؛ لذلك حذرنا القرآن الكريم أن نكون من
الغافلين،
فقال تعالى:?واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول
بالغدو والآصال
ولا تكن من الغافلين?] الأعراف:205 [وقال:?وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي
الأمر وهم في
غفلة وهم لا يؤمنون? ]مريم:39
[.
ان التفكر والتدبر ليس لهما
مكاناً أو زماناً أو شروطاً محددة، فالإنسان يمكن أن يتفكر ويتدبر خلال
المشي في
الشارع، عند توجهه الى عمله، او خلال قيادة السيارة، أو خلال عمله أمام
شاشة
الكومبيوتر، أو خلال جلسات السمر مع أصدقائه، وربما خلال مشاهدة
التلفزيون أو حتى
خلال تناول الطعام.
إن الإنسان خلال قيادة السيارة (مثلاً) يمكنه رؤية عشرات الأفراد في
الشوارع، وعندما ينظر الإنسان الى هؤلاء الناس يمكنه
أن يتفكر في أمور شتى، فربما انصرف ذهنه الى الاختلاف الكامل في المظهر
بين هؤلاء
الناس، فليس هناك واحد منهم يشبه الآخر! كم هو مذهل هذا الاختلاف في
المظهر بين
الناس الذين لديهم نفس الأعضاء من العيون الى الحواجب الى الرموش
والأكف والأيادي
والأرجل والأفواه والأنوف.. ولو استغرق الإنسان في التفكير أكثر لتذكر
أن الله قد
خلق الألوف من البشر عبر بلايين السنين وكل واحد منهم مختلف عن الآخر،
وما ذلك الا
دليل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى. والذي يراقب كل هؤلاء الناس
يحثّون الخطى؛
تتجاذبه أفكار شتى، فللوهلة الأولى يبدو أن كل واحد من هؤلاء هو نسيج
وحده، له
عالمه الخاص وأمنياته ومشاريعه وذوقه وأسلوبه في العيش، وأمور تفرحه وأخرى تحزنه..
ولكن هذه الخلافات بين البشر ليست أساسية، فبصفة عامة كل انسان يولد ويكبر ويتعلم
ثم
يتزوج وينجب الأولاد ويزوجهم فيصبح جدّاً أو جدة ثم يتوفى في النهاية..
من هذه
الناحية ليس هناك اختلاف كبير في حياة الناس، سواء كانوا يعيشون في حي
في استانبول
أو في مدينة في المكسيك، فإن ذلك لن يغير شيئاً ، فكل هؤلاء الناس سوف
يموتون وربما
بعد قرن من الزمان لن يبقى منهم أحد على قيد الحياة. ومن يدرك هذه
الحقائق لا بد أن
يسأل نفسه: بما أننا في يوم من الأيام سوف نموت جميعاً لماذا يتصرف
الناس وكأننا لن
نبارح هذا العالم؟ ولماذا يتصرف من أدرك حتمية موته وكأن هذه الحياة
الدنيا لن
تنتهي في حين يجدر به أن يجاهد من أجل الفوز بالآخرة؟!
وفي حين أن غالبية الناس لا
تتفكر بهذه الأمور،فإن من توصل الى التفكر بها سيخلص الى نتائج حاسمة.
فلو سئل معظم
الناس بشكل مفاجىء: بماذا تفكرون في هذه اللحظة؟ سوف يظهر بوضوح انهم
يفكرون بأمور
ليست ذات بال ولا تعود عليهم بالنفع.
وعلى كل حال، فإن كل إنسان يمكن أن يتفكر
بحكمة في أمور مهمة وذات قيمة ومعنى ويتدبرها ويخلص الى نتائج من وراء
ذلك. ويعلمنا
القرآن الكريم أن من صفات المؤمنين أنهم يتفكرون ويتدبرون ليخلصوا الى
النتائج التي
تعود بالنفع عليهم.?إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار
لآيات لأولي
الألباب، الذي يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق
السموات
والأرض ربنا م أخلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار? آل عمران:
190-191 فكما
تخبرنا الآيتان الكريمتان فإن تفكر المؤمنين مكّنهم من رؤية جانب
الإعجاز في الخلق
وتمجيد حكمة الله وعلمه وقدرته.
وحتى يعود التفكر بالنفع
على الإنسان ويهديه الى جادة الحق والصواب، يجب عليه أن يفكر دائماً
بطريقة إيجابية.، حيث ان هناك
فرقا كبيرا بين من ينظر الى شخص حباه الله بحسن الهيئة من منظار عقدة
النقص الناشئة
عن عدم التكافؤ في المظهر الخارجي بينهما، فيشعر بالغيرة ويؤدي به
تفكره الى ما لا
يرضي الله، وبين من يسعى الى مرضاة الله فينظر الى هذا الشخص على أنه
جمال من خلق
الله، ويعتبر حسن هيئته برهاناً على كمال الله في خلقه، فيشعر بسعادة
غامرة ويدعو
الله أن يزيد هذا الإنسان جمالاً في الآخرة، كما يدعو لنفسه أن يرزقه
الله الجمال
الأبدي في دار الخلود، ويفهم أن الإنسان لا يمكن أن يكون كاملاً في
الحياة الدنيا،
لأن حياتنا هذه خلقت غير كاملة كجزء من ابتلائنا فيها، وبذلك كله يزيد
توقه وتطلعه
الى الفوز بالجنة. وهذا كله مثال واحد على الإخلاص في التفكر،ولسوف
يعرض للإنسان
الكثير من الأمثلة المشابهة في حياته، خاصة وأنه في امتحان دائم ليرى
ان كان سيسلك
سلوكاً حسناً ويفكر بأسلوب يرضي الله.
إن نجاح الإنسان في امتحان
التفكر والتدبر، سيؤدي الى تنوير وتبصير عقله، والى الاستقامة والسوية،
ومرضاة الله سبحانه وتعالى وكون التفكر سيعود عليه بالنفع في الآخرة، يعتمد على
التدبر والاعتبار من
الدروس والتحذيرات التي يستخلصها أثناء تفكره، ولذلك فإن من الضرورة
بمكان أن يتفكر
الإنسان بصدق دائماً. قال تعالى:?هو الذي يريكم آياته وينزّل من السماء
رزقاً وما
يتذكر إلا من ينيب? (غافر:13).
ــــــــــــــ
* كاتب من
فلسطين.