الأسس الاجتماعية ودورها في توازن السلوك البشري..!
بقلم: د. زاهـر زكـار*
تلعب الأسس الاجتماعية دورا أساسيا في تحقيق توازن الشخص وتوافقه،ومن
أهم الأسس الاجتماعية التي تؤثر إلى حد كبير في تحديد معالم السلوك الفردي"التنشئة
الاجتماعية"و"المعايير الاجتماعية"وفيما يلي مناقشة لهاتين العمليتين
الاجتماعيتين،ودورهما في حياة الفرد.
أولا-التنشئة الاجتماعية(Socialization):
تعتبر التنشئة الاجتماعية أو التطبيع الاجتماعي للفرد عملية مستمرة من
الطفولة إلى أخر العمر،وتتميز هذه العملية بتعليم واكتساب الأنماط السلوكية السائدة
في المحيط الذي يعيش فيه الفرد،ابتداء بمحيط الأسرة والعائلة والمدرسة والمجتمع
ككل،بما يمثله من عقيدة ولغة وعادات وتقاليد،ولما كان الإنسان من أكثر الكائنات
الحية اعتمادا على الآخرين(لا سيما أثناء مراحل الطفولة الأولى)في إشباع حاجاته
الأساسية،فإنه في مقابل الحصول على إشباع هذه الحاجات يستجيب لأوامر ونواهي
وتوجيهات الكبار من حوله وتدريبهم وتعليمهم له ما يرونه مناسبا من أنماط السلوك
الاجتماعي بشكل يناسب ثقافتهم،وهو ما يتيح للفرد في مختلف مراحل نموه،إمكانية
الاندماج التام في الحياة الاجتماعية.
وتأسيسا على هذا المفهوم، فإن التنشئة الاجتماعية هي عبارة عن عملية
دينامية يتم فيها التفاعل وتبادل التأثير بين الفرد والمحيط الذي يعيش فيه،مما يؤدي
في النهاية إلى تشكيل شخصية مميزة ذات طابع ثقافي وسلوكي معين.
ويخضع التفاعل بين الفرد والمجتمع لعدة عوامل أساسية ترتبط بنمو الفرد
ونضجه من جهة، وبالقيم والمعايير والأساليب التربوية التي يتبناها مجتمع معين،ذلك
أن المجتمع الذي يتصف بالتسامح والتعاون والعدل،هو غير المجتمع الذي يتصف بالصراع
والعدوانية والظلم،حيث تؤثر هذه الأنماط السلوكية في بلورة سلوك أفراد المجتمع
وتطبعهم بطابعها الخاص.
ومهما يكن الأمر،فإن مدى التأثير الذي يتعرض الفرد له،يتحدد أيضا
بمراحل النمو التي يمر بها الفرد،فتأثر الطفل بواسطة المحاكاة والتقليد بسلوك
المحيطين به(مثلا) يكون أكثر من تأثر الفرد البالغ بهذه الأنماط حيث أن الأخير يسمح
له نضجه العقلي بالفرز والاختيار بين مختلف الأنماط السلوكية،بل وتعديل وتغيير
بعضها الآخر،وربما إبداع أنماط سلوكية جديدة،ومن هنا،فإن عملية التنشئة الاجتماعية
للفرد،ليست عملية ذات اتجاه واحد بل هي عملية مستمرة وحيوية للفرد لتبادل التأثر
والتأثير مع المحيط والبيئة وذلك بهدف الحفاظ على الصحة النفسية للفرد وبهدف بناء
مجتمع متماسك ومتنام.
وتعد عملية التنشئة الاجتماعية،من أولى العمليات ومن أخطرها شأنا في
حياة الفرد،وذلك لأنها تمثل الدعامة الأولى التي ترتكز عليها مقومات شخصيته،وتبدأ
هذه العملية منذ ولادة الطفل،فالطفل عند ولادته لا يستطيع أن يتحدث لغة قومه ولا أن
يشارك من حوله ابسط ما اصطلحوا عليه من معان،كما انه لا يستطيع أن يوفر لنفسه أدنى
ما تحتاجه حياته من مأكل وملبس وحماية،فهو كائن ادمي الصورة فطري الطبيعة
والمسلك،ولكنه عاجزا تماما عن ممارسة الحياة الإنسانية،لأنه في مراحل حياته الأولى
لا يعدو أن يكون كتلة من الدوافع والاستعدادات وفي خلال سنوات طويلة من
الطفولة،يدرب الفرد ليكتسب ببطء مهاراته الإنسانية الواحدة تلو الأخرى،وهي مجموعة
المهارات الاجتماعية والبدنية والعقلية والنفسية اللازمة له لتدبير شؤونه وتنظيم
علاقاته بالآخرين.
وتتولى الأسرة ترويض الطفل وتدريبه حتى يواجه مستلزمات الحياة البشرية،
ويكتسب شخصيته وينميها خلال عمليات التفاعل الاجتماعي المتعاقبة التي يمر بها حتى
يصبح كائنا اجتماعيا ومواطنا صالحا، فتعلمه الجماعة عاداتها وعرفها وتقاليدها،ثم
تكمل الجماعات الأخرى(حلقات اللعب،الزمالة المدرسية،الجمعيات،الهيئات،النوادي
والمجتمع العام،بما يضيفه من تجارب وما يضعه أمام الفرد من مواقف)وظيفة الأسرة في
تنشئة الأفراد،وتلك العمليات التي يمر بها الفرد خلال نموه تعرف بـ"التنشئة
الاجتماعية"أو"التطبيع الاجتماعي"ويختلف الأفراد في مدى قابليتهم للاندماج في حياة
الجماعة باختلاف التربية التي يتلقونها عن الأسرة وعن الجماعات التي تحيط بهم في
نشأتهم الأولى،وهذا يفسر لنا بعض الأطفال الذين ينشئون اجتماعيين(ٍٍٍ
Social)وبعضهم
غير اجتماعيين(Anliscial).
ويلاحظ أن الطفل يكون عند ولادته، عاجزا تمام العجز،ولكن هذا العجز
تعوضه إمكانيات هائلة لا يدانيه فيها حيوان آخر،وعجز الوليد الإنساني وضعفه يجعله
يعتمد كل الاعتماد على الأفراد المحيطين به وينشئونه،وتعتبر مدة الاعتماد على
الغير(مدة الطفولة عند الإنسان)أطول كثيرا منها عند سائر الحيوان،ولهذا فإن الجو
الاجتماعي الذي يحيط بالطفل منذ نشأته هو ذو أهمية كبيرة في صياغة شخصيته وتوجيه
نموها،ولا يقصد بذلك أن الخصائص البيولوجية التي يولد بها الطفل،ليست ذات أهمية في
تكوين شخصيته وتمييزها عن غيرها من الشخصيات،ولكن أهمية هذه الخصائص تتوقف إلى حد
كبير على نظرة المجتمع لها،وتأثيره بها،وما يترتب على هذا من معاملة خاصة يتلقاها
الطفل نتيجة لذلك.
ومما لا شك فيه أن التنشئة الاجتماعية للطفل هي عملية في غاية الأهمية
بالنسبة لتكوين شخصيته،وتكوين ذاته،حيث تتوقف عملية التطبيع الاجتماعي على عادات
المجتمع وتقاليده والاتجاهات الفكرية السائدة فيه،وعلى العرف والقانون والمعايير
الأخلاقية والاجتماعية والعقيدة،وأنماط السلوك المختلفة،أي على ثقافة المجتمع.
تعريف مفهوم التنشئة الاجتماعية:
تعرف التنشئة الاجتماعية بأنها"عملية تشكيل أفراد إنسانيين ليندمجوا في
الإطار العام للجماعة التي ولدوا فيها، ويصبحوا أفرادا متكيفين مع هذه الجماعة
وأنماطها وقيمها".فالطفل وحدة بيولوجية، تشكل جزءا متكاملا مع وحدة أكبر منها،هي
وحدة البيئة،والجانب الاجتماعي هو أهم جوانب البيئة في حياة الإنسان،وفي تكوين
شخصيته وتوجيه سلوكه تدريجيا،كي يعني بنفسه ويتشرب عادات وتقاليد مجتمعه ويتكيف
لثقافته.
ولا شك بأن التغيرات التي تحدث للطفل منذ ولادته، حتى يتخذ له مكانا
مميزا بين الأفراد الكبار الناضجين،هي في أساسها عملية التنشئة الاجتماعية أو
التطبيع الاجتماعي،والطفل عندما يمر بعملية التطبيع الاجتماعي تلك يؤثر بعد ذلك في
تطبيع الآخرين،وتتمشى مع عملية التنشئة الاجتماعية عملية أخرى مهمة للمجتمع،وهو أن
الفرد يصبح حاملا للثقافة أي لطابع معين من الحضارة،وبتفسير أوضح،يمكن القول أن
عملية التنشئة الاجتماعية هي"تعلم وتعليم وتربية تقوم على التفاعل الاجتماعي تهدف
إلى اكتساب الفرد (طفلا،فمراهقا،فراشدا،فشيخا)سلوكا ومعايير واتجاهات مناسبة لأدوار
اجتماعية معينة،تمكنه من مسايرة الجماعة والتكيف معها،وتيسر له الاندماج في الحياة
الاجتماعية".
كما يمكن تعريف عملية التنشئة الاجتماعية بأنها"عملية تشكيل السلوك
الاجتماعي للفرد،وهي عملية استدخال ثقافة المجتمع في بناء شخصيته،وهي عملية تطبيق
المادة الخام للطبيعة البشرية في النمط الاجتماعي والثقافة،وهي عملية تحويل الكائن
الحيوي(البيولوجي)إلى كائن اجتماعي ذلك الكائن الذي مكث في رحم الأم ينمو حيويا إلى
قدر معلوم،وخرج منه لا يعلم شيئا ليتلقاه رحم الجماعة لينمو فيه اجتماعيا،وهي عملية
إكساب الفرد صفة الإنسانية،فالإنسان لا يكتسب هذه الصفة بفضل خصائصه التشريعية
الحيوية وحدها ولكن بفضل عملية التنشئة الاجتماعية،كما أن التنشئة هي عملية تعلم
اجتماعي ونمو مستمر ودينامية،تتضمن التفاعل والتغير،كما أنها عملية معقدة ومتشعبة
تستهدف مهام كبيرة،وتقوم على أساس أساليب ووسائل متعددة لتحقيق ما تهدف إليه".
العوامل المؤثرة في التنشئة الاجتماعية:
يخضع الفرد خلال مراحل حياته، للقوى الاجتماعية والطبيعية المحيطة
به،وكما يولد الفرد في أسرة،كذلك يولد في مجتمع وعلى الطفل أن يتكيف أنماط الحياة
السائدة في بيئته،ولا شك أن لهذه العوامل تأثير كبير على تطبيعه الاجتماعي،فما هي
أهم العوامل المؤثرة في عملية التنشئة الاجتماعية للفرد؟
تشير الدراسات المتخصصة في هذا المجال إلى وجود مجموعة من العوامل التي
لها دور كبير في التأثير على عملية التنشئة الاجتماعية للفرد، وتتمثل في العوامل
التالية:
(1) دور اللغة في التنشئة الاجتماعية: تؤدي اللغة دورا أساسيا في عملية
التنشئة الاجتماعية فهي تعتبر وسيلة الاتصال والتفاعل بين الأفراد، فاللغة تمثل
الأداة التي يتم بها نقل معاني الرموز ودلالة مختلف أنماط السلوك من جيل إلى جيل
آخر، وما دامت الأسرة هي المهد الأول-سنتعرض لدور الأسرة لاحقا-الذي يتلقى فيه
الطفل أولى مراحل التنشئة الاجتماعية أو التطبيع الاجتماعي،فإن للغة التي يتعلمها
الطفل من أبويه أهمية كبيرة في نمو شخصيته ككل،ذلك أنه لا يمكن فصل النمو اللغوي عن
النمو الفكري(العقلي)من جهة،وعن النمو الانفعالي والاجتماعي من جهة أخرى،لأن اللغة
نفسها هي عبارة عن تراث حضاري وثقافي،يحمل عقيدة وقيما وعادات وتقاليد،تؤثر إلى حد
كبير في توجيه السلوك وتوظيفه في القيام بأدوار محددة بنظام يتبناه المجتمع حيث
تحدد هذه الأدوار الأماكن التي يشغلها الفرد تبعا لذلك.
ونظرا لما للغة من أهمية كبيرة في تكوين الاتجاهات والميول وبلورة
السلوك البشري بصورة عامة،فإنه بأهمية بمكان التفطن لعواقب الثنائية اللغوية التي
قد تحدث في الأسرة أو المدرسة أو في كليهما،وذلك لتجنيب الطفل احتمال الوقوع في
صراع لغوي قد يؤدي إلى صراع فكري وتناقض وجداني(Ambivalance)حيث يتضح ذلك في تذبذب السلوك واضطرابه وخاصة السلوك المتعلق بالاتجاه
نحو اللغة الأصلية.
ولا يخفى أن للغة دورا هاما في عملية التنشئة الاجتماعية نظرا للعلاقة
الوطيدة بين النمو اللغوي والنمو الفكري من جهة، وبين النمو اللغوي والنضج، وتطور
السلوك من جهة أخرى، ونظرا لما تحمله أيضا اللغة من معان ورموز ومضمون ودور،فكل ذلك
له دور كبير في شحذ السلوك،وبلورة الثقافة وتوجيه السلوك شعورا ولا شعوريا.
والواقع إن المشكلة الأساسية في النمو اللغوي،وعلاقة ذلك بالتنشئة
الاجتماعية،لا تتمثل أساسا في تعريض الطفل في المنزل أو المدرسة أو في كليهما لأكثر
من لغة،بل تكمن المشكلة أساسا في الاتجاه الذي يحمله المحيطون بالطفل نحو لغة
معينة،وبالقيم والمعايير الاجتماعية التي تحيط بإحدى اللغات التي يتعرض لها الطفل
سواء كان ذلك في المنزل أو المدرسة أو في كليهما.
(2) دور التفاعل الاجتماعي في التنشئة الاجتماعية: من المعلوم أن
المجتمع البشري، يقدم عددا من الأفراد الذين يلاحظونه ويسلكون نحوه بطرق معينة، حيث
يبدأ الطفل في ملاحظة هؤلاء الأفراد ومن خلال ملاحظته لهم في الوقت الذي يلحظونه هم
يستجيبون له،وبهذا يبدأ الطفل بتغيير نفسه تدريجيا حتى يشترك في هذا المجتمع،وحتى
يكتسب في نفس الوقت شخصية مميزة له،حيث أن هذه العملية الذي يلاحظ فيها الطفل
الآخرين ويستجيب لهم في نفس الوقت الذي يلاحظونه،هم يستجيبون له ،هي التي تعرف
بـ"التفاعل الاجتماعي"ويتضمن مفهوم التفاعل الاجتماعي إذا،الاستجابة الفعالة التي
ينتج عنها التعلم،والتعلم يمثل التغير الذي يحدث للكائن الحي نتيجة الاستجابة أو
الاستجابات التي يقوم بها،وهو عبارة عن تغيير في السلوك ناتج عن استثارة،فالتفاعل
الاجتماعي يتبعه دائما تعلم،وباختلاف أنواع التفاعل الاجتماعي وميادينه تختلف أيضا
أنواع التعلم وميادينه،فما يقوم به الفرد من عمل ما هو إلا استجابة،كما تتضمن عملية
التفاعل الاجتماعي،عملية تأثير وتأثر،فهو يؤثر في غيره بحيث يستدعي استجابات
معينة،وهو يستجيب لغيره نتيجة سلوكهم نحوه،والطفل لا يتأثر بما يوجد في ثقافته في
مجملها،وإنما يتأثر بما تقدمه له هذه الثقافة من أفراد معينين أو من مواقف
معينة،ويشترك هؤلاء الأفراد في أنواع كثيرة من هذه الثقافة،ويشتركون أيضا في مفاهيم
ومدركات عامة،هذه الحقيقة هي نتيجة هذا التفاعل،هذا التفاعل الذي يتضمن عملية
التأثر والتأثير،ويؤدي إلى تكوين أنماط سلوكية عامة مشتركة بين الجميع،إذ ينتج عن
هذا التفاعل تكوين الاتجاهات العامة نحو الآخرين،فالإنسان يميل إلى الاستجابة
للآخرين ليس على أساس ما يقولونه وما يفعلونه،وإنما على أساس شعوره نحوهم كأشخاص،لا
يمكن فصلها عن اتجاهاته نحو نفسه،إذ لا يمكن فهم أحداهما منفصلا عن الآخر،فاتجاهات
الفرد نحو الآخرين وتصوره لهم، تؤدي به إلى فهم اتجاهاته نحو نفسه وتصوره عنها،وهذا
عنصر هام في تكوين الشخصية الإنسانية واتجاهاتها.
والواقع أن التفاعل الاجتماعي الذي يحدث بين الإنسان والأفراد
الآخرين،هو تفاعل بين العوامل البيولوجية والاجتماعية التي تكون شخصية
الإنسان،فبدون الفرد البيولوجي،لا يمكن أن يكون هناك سلوك،ولا يمكن أن يتصف هذا
السلوك بالصفة الاجتماعية دون وجود أشخاص آخرين يتفاعل معهم هذا الفرد
البيولوجي،ولذلك لا بد من وجود الظروف البيولوجية والاجتماعية حتى يتكون السلوك
الاجتماعي،والملاحظة الهامة في عملية التفاعل هو أن الإنسان حيوان اجتماعي يعتمد
على غيره من الأفراد الإنسانيين بسبب عاملين أساسيين هما:
أ- أن النمو الجسدي للإنسان واستمرار هذا النمو يعتمدان على مساعدة
الآخرين له وعنايتهم به،فالطفل البشري يستمر اعتماده على الغير لفترة طويلا بعد
ولادته،وبدون هذه الرعاية والاهتمام لا تقدر له الحياة.
ب- أن الأطفال يعتمدون على الآخرين في تنمية تلك الصفات التي تجعل منهم
أفراد إنسانيين،أي أن السلوك البشري يكتسب عن طريق التعامل مع أفراد البيئة التي
ينشأ فيها الطفل على هذا السلوك الإنساني ويختلف باختلاف الثقافة التي يعيش بها
الطفل،فالإنسان اجتماعي بالضرورة،بمعنى أنه يتفاعل مع الآخرين تفاعلا ينتج عنه
استمرار وجوده واكتسابه الصفات الإنسانية التي تميزه عن سائر الحيوانات.
(3) دور الثقافة في التنشئة الاجتماعية: تمثل الثقافة، مجموع ما يتعلم
وينتقل من نشاط حركي، وعادات وتقاليد وقيم واتجاهات ومعتقدات تنظيم العلاقات بين
الأفراد،وأفكار وتكنولوجيا،وما ينشأ عنها من سلوك يشترك فيه أفراد المجتمع.ويتعلم
الفرد عناصر الثقافة الاجتماعية أثناء نموه الاجتماعي من خلال تفاعله في المواقف
الاجتماعية مع الأفراد الكبار الذين تطبعوا وهم أطفال وتطبعوا وهم مراهقون،
واندمجوا اجتماعيا وهم راشدون،وهكذا تحدد الثقافة السلوك الاجتماعي للفرد والجماعة
عن طريق عملية التطبيع(أي التنشئة الاجتماعية)وبتفسير أوضح،يمكن القول أن الثقافة
التي تمثل نتاجا إنسانيا نتيجة التفاعل بين أفراد مجتمع معين،هي التي توفر أنماطا
اجتماعية عامة ومقبولة يستجيب الأفراد في ضوئها لحاجياتهم البيولوجية
والاجتماعية،وهي تنتقل(أي الثقافة)من جيل إلى آخر في المجتمع،وتتراكم نتيجة هذا
الانتقال،وهي محملة بالمعاني التي يعبر عنها الأفراد بلغتهم بما فيها من رموز،ولذلك
فهي ليست فطرية،وإنما يكتسبها الفرد في إطار نموه وسط الجماعة،ولذلك فهي أساس يؤثر
في تكوين شخصية كل فرد ينمو وسط هذه الجماعة،وتعتمد الثقافة في وجودها واستمرارها
على استمرار المجتمع،وإن كان هذا الوجود وهذا الاستمرار لا يتوقفان على وجود فرد
بعينه أو جماعة بعينها.
أما المدنية أو الحضارة،فتعني هذه العناصر المستجدة من الثقافة،والتي
يتناولها الفرد بالتهذيب والتفكير،ويحولها إلى وسائل لتحقيق غايات ملموسة
واضحة،وتتمثل وظيفة الثقافة من الناحية الاجتماعية،في أنها وسيلة تماسك للناس في
المجتمع الواحد،ثم هي كذلك أداة تفاهم لبعضهم مع بعض،وهي من الناحية
التربوية،الوسيلة التي بواسطتها يمكن تحول ما هو موجود بالقوة إلى موجود
بالفعل،ويعني ذلك أن الاستعدادات الممكنة التي تولد مع الطفل لا تصبح حقائق واقعة
إلا عن طريق تشربه للثقافة التي ولد بين ظهرانيها،وهو إذا ما أصبح يوما ما شخصا
مكتملا،فإنه يصبح شخصا على الصورة التي تحددها له ثقافة أمته،فليس في استطاعته أن
يتلافى تلك الثقافة في بداية حياته على الأقل.
وتتصف الثقافة بصفة اجتماعية،فأفراد المجتمع يشتركون في بعض التوقعات
والآمال التي هي نتاج تفاعلهم الاجتماعي،والتي تصبح لهم بمثابة معايير خلقية
واجتماعية،ومن هنا تكسب الثقافة سلوك الأفراد صفة التشابه مع التسليم بتفرد الإنسان
مع استجاباته،وكذلك بايجابية هذا الإنسان وقدرته على التغيير في الثقافة،فهي تضمن
إطارا عاما لسلوك الأفراد بصفة عامة، ويحفظ هذا الإطار"التماسك الاجتماعي"و"الوحدة
الثقافية"كما انه يكون ما يعرف بـ"المرجع الثقافي"وعلى ضوء هذا المرجع،يحدد الرجال
علاقتهم بالنساء(مثلا)وينظر إلى الطفولة وإلى حقوقها،وغلى من يخرج عن الآداب
العامة.
كما تعتبر الثقافة أساسا للوجود الإنساني بالنسبة للفرد والمجتمع الذي
ينتمي إليه،فهي توفر للفرد صورة السلوك والتفكير والمشاعر التي ينبغي أن يكون
عليها،ولا سيما في مراحله الأولى،فالطفل في بداية حياته يتقبل الثقافة التي ينشأ
فيها تقبله للغذاء،فالأسرة وجماعة الزمان والمسجد،كلها تقدم له بعض أفكار الثقافة
وتقاليدها وأساليبها وتنتظر منه قبولها وتشربها،كما أن الثقافة تتوفر للفرد وسائل
إشباع حاجاته البيولوجية،افليس على الفرد في مجتمعنا أن يتعلم في بداية حياته كيف
يجلب لنفسه الدفء أو ينقذ نفسه من الجوع أو العطش،أو أن يوفر لنفسه الأمن،وذلك لأن
الأنماط التي توفر هذه الوظائف الأولية(أي الأساسية)وتوجهها توجد في
الثقافة،ويتفاعل معها الفرد منذ طفولته،كما توفر الثقافة للأفراد تفسيرات لطبيعة
الكون وأصل الإنسان ودوره في هذا الكون،وكذلك توفر الثقافة للأفراد المعاني
والمعايير التي يميزون في ضوئها بين الأشياء والأحداث،فما يعتبره الفرد طبيعيا أو
غير طبيعي،منطقيا او غير منطقي،خلقيا أو غير خلقي،جميلا أو قبيحا،هاما أو
تافها،يشتق من معاني الثقافة وأسس التمييز فيها،أي بمعنى أن الثقافة تضفي على حياة
الفرد معنى،وتكسب الوجود غرضا وتمد الأفراد بالقيم والأهداف والآمال،وتشعرهم بأنهم
يعيشون من أجل هدف.
وباختصار فإن الثقافة تنمي الضمير عند الأفراد،إذ أن من المعلوم
اجتماعيا،أن الضمير غير فطري،فقد يكون صوتا ضعيفا،أو ساكنا داخل الفرد،ولكنه يتحدد
في ضوء تحديدات الجماعة لمعنى الصواب والخطأ،وينمو عند الفرد بتمثله الداخلي لقيم
الجماعة ومعاييرها وتشربها وامتصاصها،وإذا ما أخطا في أمر من الأمور،وخالف ما
تنتظره منه الجماعة بحسب مستوياتها الثقافية،شعر بالخزي والعار،فالصوم في المجتمع
الإسلامي في شهر رمضان(مثلا) هو قيمة اجتماعية ثقافية،يحرص الأفراد على
احترامها،ومن ينحرف عن ذلك يتستر على نفسه لكي يتجنب لوم الجماعة له ونفورها منه.
ومما لا شك فيه أن الثقافة المشتركة تنمي في الفرد شعورا بالانتماء
والولاء،فتربطه بالأفراد الآخرين في شعور واحد،وتميزهم جميعا عن الثقافات البشرية
الأخرى،وقد يشتد هذا الشعور عند أفراد ثقافة معينة،إذا ما اشتدت عزلتهم،وقد يكون
شعورا مستنيرا إذا ما قامت علاقات المجتمعات بعضها ببعض على أسس من التقدير
والاحترام،وقد يتحول هذا الشعور عند الفرد إلى غضب وعدوان،إذا ما خضعت ثقافته
لثقافة أخرى،كما عن طريق الثقافة،يكتسب الفرد حريته،باعتباره فردا في مجتمع
معين،وفي مجتمع إنساني كبير.
(4)دور الأسرة وثقافة المجتمع في التنشئة الاجتماعية: تمثل الأسرة
الوعاء الثقافي الأول،الذي يشكل حياة الفرد،فهي البيئة الأولى التي يتعلم فيها
(الفرد)أنماط الحياة،وهي التي تعمل على تكوين العادات والتقاليد المرعية،وبهذا يصبح
المعنى النفسي للنظام،هو تحقيق التوافق النفسي بين دوافع الطفل ومطالب بيئته،والطفل
الذي يتكيف تكيفا صحيحا مع العوامل المحيطة به،هو طفلا مطمئنا في حياته متزن في
انفعالاته وعواطفه،والآخر الذي يفشل في إقامة هذا التكيف يعجز عن مواجهة مشكلاته
اليومية،ولهذا فهو إما ينطوي على نفسه ويكبت دوافعه،وهو بذلك يظلم نفسه حتى لا
يفتضح أمره،ولا يصبح مثارا للنقد اللاذع الدائم،وإما أن يلجأ إلى الطرق غير
المشروعة في محاولاته اليائسة لتحقيق ذلك التوافق فيبرز سلوكه الخاطئ ويلوم غيره
بدل أن يلوم نفسه،ويتهم الآخرين بذنوبه وأخطائه،وتجده يلجا بعد ذلك إلى الكذب
والغش،وبذلك ينحرف سلوكه عن جادة الصواب،ومن هنا تنشأ مشكلات الطفل السلوكية،من
فشله في توافقه مع بيئته ومع أحداث حياته الشخصية.
وعلى أية حال،يتضمن دور الأسرة تناول حياة الفرد بالتربية،بما فيها من
علاقات وأنماط ثقافية تعبر عن الثقافة الأم،كأساليب الزواج والعلاقات الزوجية ومركز
الرجل والمرآة وعلاقة الاباء بالأبناء،ووسائل الكسب،ومعنى التماسك العائلي
والمسؤولية الاجتماعية،وغير ذلك من الاتجاهات السلوكية والممارسات الاجتماعية التي
يتعرض لها الفرد منذ مولده وحتى عدد من السنين.
وتنحصر الوظيفة التربوية للأسرة في ناحيتين أساسيتين:اولهما، أنها أداة
لنقل الثقافة،والإطار الثقافي للطفل،فعن طريقها يعرف الطفل ثقافة عصره وبيئته على
حد السواء،ويعرف الأنماط العامة السائدة في ثقافته،كأنواع الاتصال من إشارات ولغة
وطرق تحقيق الرعاية الجسمية ووسائل وأساليب الانتقال وتبادل الخدمات،ونوع الملكية
ومعناها ووظيفتها،والأنماط الأسرية والجنسية من زواج وطلاق وقربى ووصاية ومعايير
وقوانين وقيم اجتماعية،كالتعاون والتحيز والتسامح
والتعصب،وثانيهما،أنها(الأسرة)تختار من البيئة والثقافة ما تراه هاما ثم تقوم
بتفسيره وتقويمه،وإصدار الأحكام عليه مما يؤثر على اتجاهات الطفل لسنوات طويلة،وهذا
يعني ان الطفل ينظر إلى الميراث الثقافي من وجهة نظر أسرته،فيتعلم منها الرموز
واللغة الشائعة ،ويشارك فيها المشاعر العامة،ويتأثر اختياره وتقويمه للأشياء بنوع
اختيار أسرته وتقويمه لها،هذا إلى أنه يتأثر بنوع الآمال التي تضعها الأسرة
لمستقبلها ومستقبل أعضائها،بل إنه كثيرا ما تفرض الأسرة آمالها ومثلها العليا على
أطفالها.وكثيرا ما يكون هذا الفرض مصحوبا بانفعالات أكثر مما يوجد في واقع الثقافة،
فالأسرة تقوم بنقل الميراث الثقافي بطريقتها الخاصة،بل إنها تطبع الثقافة عند نقلها
إلى أطفالها بصورتها الخاصة،وبطريقتها التي تراها بها،وبالكيفية التي تريد أن تراها
بها،ونتيجة لعملية الاختيار والتقويم تلك من جانب الأسرة تتكون معاني الطفل
وقيمه،فكل ثقافة يولد فيها الطفل لها معاييرها وآدابها الشعبية ،وأنواع ثوابها
وعقابها،غير أن هذا كله يتأثر بطريقة معالجة الأسرة لها بالأسلوب الذي تنقله به إلى
أطفالها ومن هنا يكون نمو شخصية الطفل سلسلة من أنواع الاختيار،وتكون القيم التي
يتشربها متأثرة بنظرة الأسرة إليها وتعبيرها عنها،وهكذا يتضح أن الأسرة من أهم
عوامل التنشئة الاجتماعية للطفل.
وتتميز الأسرة بعدة خصائص تتبلور أهميتها في عملية التنشئة،وتتمثل هذه
الخصائص في النقاط التالية:
1-أن الأسرة هي الوحدة الاجتماعية التي ينشأ فيها الطفل،وهي المسؤول
الأول عن تنشئته اجتماعيا.
2-أن الأسرة هي النموذج الأمثل للجماعات الأساسية التي يتفاعل الطفل مع
أعضائها وجها لوجه،ويتوحد مع أعضائها ويعتبر سلوكهم سلوكا نموذجيا.
3-تساعد عملية التنشئة الاجتماعية في الأسرة، على اعتماد الطفل على
الكبار لفترة زمنية طويلة، وفي هذه الفترة تتكون شخصيته.
4-تقوم الأسرة بتعليم الطفل النظام الصالح الذي يحقق له الشعور
بالطمأنينة،كما توضح له حدود الخير والشر وحدود الحرية والفوضى.
أنواع الثقافة والقيم الاجتماعية:
تشمل الثقافة بمعناها الدقيق، كل مقومات المجتمع من أنظمة اقتصادية
وقوانين واديان وفن وخلق،وغير ذلك من المقومات،وتنقسم أنواع الثقافة ونماذجها إلى
أنواع عامة،وأنواع مذهبية، وجماعية وتنظيمية.
*تنطوي أنواع الثقافة العامة، على جميع العناصر المشتركة التي تقوم على
دعائمها كل الثقافات المختلفة،وهي بذلك تشمل النواحي المعنوية والمادية التي تميز
النوع الإنساني كله عن جميع أفراد المملكة الحيوانية ومن أمثلتها،اللغة والملكية
والطقوس الدينية.
*وتتكون الأنواع المذهبية من مجموعة فهم العناصر الثقافية التي تؤلف
بين الذين يعتنقون مذهبا خاصا، كالمذاهب الدينية والمذاهب السياسية المختلفة،
وتنطوي الأنواع الجماعية على الأنواع الثقافية المختلفة التي تميز مجتمعا ما عن
مجتمع آخر، فالثقافة العربية الإسلامية (مثلا)تقوم على التفاعل مع الثقافات الأخرى،
وتختلف الثقافات الإقليمية أيضا باختلاف نصيب كل منها من النسب المختلفة القائمة
بين هذه المقومات.
*تشمل الأنواع التنظيمية من الثقافة،سياسة الحكم وأساليب الحروب
والتنظيم الاقتصادي، فالربا(مثلا)من مستلزمات التنظيم الاقتصادي المالي في أكثر
الدول،والإسلام لا يقر هذا الأسلوب،وإنما يرسم لنفسه نظاما ماليا آخر ،فالتنظيم
ينطوي على الأسلوب الذي نتخذه ونقر به للوصول إلى أهدافنا في علاقاتنا البشرية.
*تمثل القيم(Values)،أحكام
مكتسبة من الظروف الاجتماعية،يتشربها الفرد ويحكم بها وتحدد مجالات تفكيره وتحدد
سلوكه،وتؤثر في تعلمه،فالصدق والأمانة والجرأة الأدبية والولاء وتحمل
المسؤولية،كلها قيم يكتسبها الإنسان من المجتمع الذي يعيش فيه،وتختلف القيم باختلاف
المجتمعات،بل الجماعات الصغيرة،وتنقسم القيم إلى ست نماذج وهي:القيم النظرية-القيم
الاقتصادية-القيم الجمالية-القيم الاجتماعية-القيم السياسية-والقيم الدينية،ويختلف
الأفراد فيما بينهم اختلافات كبيرة في مدى تغلغل هذه القيم أو اكتسابهم لها.
تأثير العلاقات الأسرية على تنشئة الفرد:
تلعب العلاقات الأسرية دورا هاما في عملية التنشئة الاجتماعية للفرد،
ويمكن التعرف على تأثير هذا الدور من خلال العلاقات الأسرية التالية:
1-العلاقة بين الوالدين: تؤدي السعادة الزوجية إلى تماسك الأسرة، مما
يخلق جو يساعد على نمو الطفل بشخصية متكاملة ومتزنة،كما تؤدي العلاقات السوية بين
الوالدين إلى إشباع حاجة الطفل إلى الأمن النفسي وإلى توافقه الاجتماعية،بينما تؤدي
الخلافات بين الوالدين إلى خلق توتر في جو الأسرة،مما يؤدي بدوره إلى أنماط سلوكية
مضطربة لدى الطفل،كالغيرة والأنانية والخوف والعنف،وعدم الاتزان الانفعالي،كما تؤدي
التعاسة الزوجية أيضا إلى تفكك الأسرة مما يخلق جو يؤدي إلى نمو الطفل نموا نفسيا
غير سليم.
2-العلاقة بين الوالدين والطفل:إن العلاقات والاتجاهات المشبعة بالقبول
والثقة، تساعد الطفل على التقرب من الآخرين والثقة فيهم، كما أن العلاقات
والاتجاهات السيئة نحو الطفل، والظروف غير المناسبة،مثل الحماية الزائدة أو الإهمال
والتسلط،وتفضيل الولد عن البنت أو العكس،تؤثر تأثيرا سيئا على النمو والصحة النفسية
للطفل.
3-العلاقة بين الأخوة:تؤدي العلاقات المنسجمة بين الأخوة الخالية من
التفضيل والتنافس السلبي إلى النمو السليم للطفل، كما أن الخلافات بين الإخوة وتحيز
الوالدين لأحدهما دون الآخر يؤدي إلى الكراهية.
(5)دور المدرسة في التنشئة الاجتماعية: بعد أن تناولنا الطبيعة الأصلية
للطفل،والتكوين العضوي والتنشئة ومراحل النمو والعوامل المؤثرة فيها وعلاقة الطفل
ببيئته بمختلف مؤثراتها من الوالدين والأخوة،لا يكاد الطفل يبلغ السادسة من
عمره،حتى يكون قد دخل المدرسة،حيث يقوم(الطفل)بقضاء جزء كبير من الوقت على مقاعد
التعليم وكسب المهارات بمختلف صنوفها،ولتكوين الاتجاهات الاجتماعية الضرورية لحسن
تكيفه مع البيئة الاجتماعية الكبرى، ويعني هذا،أنه يضاف إلى المؤثرات
الأسرية،مؤثرات تعليمية تستمر مع الطفل إلى أن يخرج إلى الحياة،ولهذا كانت للمدرسة
أهمية كبيرة نظرا لخطورة الأهداف التي تعمل لتحقيقها ولطول فترة تأثيرها.
أهمية العلاقة الترابطية بين المدرسة
والأسرة والمجتمع في التنشئة الاجتماعية:
لا شك أن المدرسة هي البيئة الصناعية، التي أوجدها التطور الاجتماعي
لكي يمر فيها الفرد، بحيث يصبح معدا إعدادا صالحا للحياة الاجتماعية،بمعنى أن
المدرسة هي الحلقة المتوسطة التي يمر بها الطفل من دور يقع عادة بين مرحلة الطفولة
الأولى التي يقضيها الطفل في المنزل،ومرحلة اكتمال نموه الذي يضطلع فيها بمسؤولياته
في المجتمع ولهذا توجب أن يكون هناك ترابط وثيق جدا بين الحلقات
الثالث(المنزل،المدرسة،المجتمع)،ويلاحظ أنه لكي ينمو الطفل نموا تدريجيا متعدد
النواحي بحيث يحتفظ باطمئنانه،ويتسع شعوره بالأمن وينمو،يجب أن يكون هناك تدرج بين
هذه البيئات الثلاث،بحيث يسهل على الطفل الانتقال من واحدة إلى أخرى،وبطبيعة
الحال،يجب أن يتحقق هذا التدرج في النمو العقلي والاجتماعي داخل البيئة
الواحدة،فيراعى على الأقل أن الانتقال يتدرج من المنزل إلى المدرسة،ومن هذه الأخيرة
إلى المجتمع،يجعل الطفل يستوفي حاجاته في المرحلة التي هو فيها،مع تذكر البيئة التي
سينتقل إليها بعد ذلك،فمثلا،لا يجوز المبالغة في تدليل الطفل في المنزل،وإلا شعر
بفقد هذا الدلال عند انتقاله إلى المدرسة أو على المجتمع،ولا يجوز للمدرسة أن
تغفل(مثلا)إنماء المسؤولية الاجتماعية أو الولاء الاجتماعي عن طريق الممارسة
الشخصية،لأن عدم الاتصاف بهاتين الصفتين يعرض صاحبهما لصعوبات في علاقاته مع
الآخرين،ولا يجوز أن تكيف أساليب تربية الطفل ومعاملته بما بتطلبه الفرد عند اكتمال
نموه فحسب،فنهمل بذلك حاجاته وميوله واستعداداته في المرحلة التي تتناوله فيها
التربية،وخلاصة ذلك، أنه يجب أن يتحقق للطفل في جو المدرسة كثيرا مما يتحقق له في
جو المنزل الصالح،من حاجة الطفل لعطف الكبار والأخوة وتقديرهم له وشعوره بالانتماء
إليهم بصورة تحقق حاجته للشعور بالاطمئنان،ويجب الإرشاد وإنماء الإحساس بالمسؤولية
الاجتماعية،وان يكون النشاط في المدرسة متعدد النواحي،وفي حدود مقدرة الطفل،بحيث
يعطيه الفرصة لإشباع الحاجة للشعور بالنجاح، وبتفسير أوضح،أنه يجب أن يكون جو
المدرسة جوا ملائما بحيث يحقق النمو المتعدد النواحي مع شعور الطفل بالاطمئنان
شعورا كافيا متكاملا قدر الإمكان.
ولا شك أن المدرسة، تمثل حلقة الاتصال بين المنزل والمجتمع الذي يمر
فيها الطفل من حياة المنزل الضيقة إلى الحياة الاجتماعية الواسعة، ويقوم التعليم في
كل مجتمع بمهمتين رئيسيتين، إحداهما خاصة، والأخرى عامة،فالمهمة الخاصة،تتمثل في
إعداد الطفل إعدادا خاصة حتى يقوم في المجتمع بعمل له قيمة،أي بمعنى أنه يعده لمهنة
من المهن التي يحتاجها المجتمع، فالمجتمع(مثلا) في حاجة إلى معلمين ومهندسين وأطباء
أو صناع أو تجار..الخ، أما المهمة الأخرى، فتتمثل في إعداد أفراد للمجتمع،تتوفر
فيهم صفات اجتماعية معينة(أي مقومات الشخصية القومية للجماعة)تكفل للمجتمع الوحدة
والتضامن ويتوفر فيهم الطموح إلى رقي المجتمع،وتكون لهم من المثل العليا ما يدفعهم
للعمل على الرقي بالمجتمع إلى مستوى أفضل.
وفيما يتعلق بالعلاقة بين المدرسة والمجتمع، فإنه يجب أن يكون هناك
تدرجا في الصلة بينهما، فلا يجوز أن تكون هناك فجوة، بمعنى أنه لا يستدعي الانتقال
من المدرسة للمجتمع من الناشئ قفزة يتعذر عليه أداؤها، ولكي يتحقق ذلك يجب أن تكون
المدرسة صورة من المجتمع أو مجتمعا مصغرا، ويجب أن تكون المادة المستعملة لاستثارة
نشاط الناشئة مستمدة من البيئة المحيطة بهم،وتختار هذه المادة بحيث تؤثر فيهم
تأثيرا يجعلهم قادرين على التكيف للمجتمع،ومع ذلك يجب أن يكون المجتمع المدرسي أكثر
صلاحية من المجتمع الخارجي،وبذلك تصبح المدرسة مركزا لتخريج الأفراد القادرين لا
على التكيف للمجتمع فحسب،بل على النهوض به ورفع مستواه أيضا،ومن ثم يجب أن تكون
المدرسة بيئة يتغذى المجتمع من نشاطها،وهنا عدة أساليب يجب إتباعها في عملية
التنشئة الاجتماعية،نوجزها فيما يلي:
1- دعم القيم السائدة في المجتمع بطريقة مباشرة وصريحة من خلال مناهج
الدراسة.
2- توجيه النشاط المدرسي، بحيث يؤدي إلى تعليم الأساليب السلوكية
الاجتماعية المرغوبة،وإلى تعلم المعايير والأدوار الاجتماعية.
3- إتباع أسلوب الثواب والعقاب، وممارسة السلطة المدرسية في تعليم
القيم والاتجاهات.
4- العمل بأساليب علمية وتربوية على انفطام الطفل انفعاليا عن الأسرة
وبالتدريج.
5-تقديم نماذج للسلوك السوي، إما في شكل نماذج تدرس للناشئة أو عن طريق
المعلم بصفة خاصة في عملية التنشئة الاجتماعية،إلى جانب دوره في العملية التربوية.
(6) دور جماعة الرفاق" في التنشئة الاجتماعية:تقوم جماعة
الرفاق(الأطفال الآخرون)بدور هام في عملية التنشئة الاجتماعية وفي النمو الاجتماعي
للطفل،فهي تؤثر في معاييره الاجتماعية تبعا لاختلاف الأسر التي ينتسب إليها الأطفال
والفروق الفردية،وهذه الجماعة تمكن الطفل من القيام بأدوار اجتماعية متعددة لا
تتيسر له خارجها،ويستدل من البحوث في علم النفس،أن الطفل لا يتأثر تأثرا جليا
بالأطفال الآخرين قبل الشهر الرابع لميلاده،وهو فيما بين الشهر الرابع والخامس
يبتسم لهم،ويبدي اهتماما واضحا في صراخهم وبكاءهم،وفيما بين الشهر السادس والثامن
يعبر الطفل عن رضاه بالنظر إلى الأطفال والابتسام لهم والاقتراب منهم وجذبهم
نحوه،وفيما بين الشهر التاسع ونهاية العام الأول،يتميز عراكه مع أترابه بجذبهم
لملابسهم وشعرهم وبصراخه وبكاءه،ويتميز رضاه بتقليد حركاتهم وأصواتهم وتفسير ذلك
كله،أنه يحاول أن يكتشف بمسلكه طبائع الأطفال الآخرين،وفي منتصف العام الثاني يكيف
الطفل سلوكه مع سلوك رفاقه وهكذا تبدو البذور الأولى بالتفاعل الاجتماعي في صورته
البدائية الصحيحة ويتطور في لعبه تطورا يسير من اللعب غير المتمايز إلى اللعب
التعاوني الجماعي،وتتمثل نماذج جماعة الرفاق فيما يلي:
1-جماعة اللعب:وتتكون هذه الجماعة تلقائيا بقصد اللعب واللهو غير
المتقيد بقواعد أو حدود.
2-جماعة اللعبة:وتشارك فيها الجماعة مع المحافظة على قواعد وأصول
اللعبة.
3-العصبة:وتتميز هذه الجماعة بالتعقيد إذا يميزها الصراع مع السلطة أو
مع جماعات أخرى ولها رموزها الخاصة المشتركة.
4-جماعة النادي: تنشأ هذه الجماعة في وسط رسمي، ويشرف عليها أشخاص
بالغون ويتيح فرصة النشاط الجسمي والنمو العقلي والتفريغ الانفعالي والتعلم
الاجتماعي، ويمكن تلخيص تأثير جماعة الرفاق"على التنشئة الاجتماعية للطفل في النقاط
التالية:
أ- المساعدة في النمو الحسي للطفل عن طريق إتاحة فرصة النشاط الرياضي
والنمو العقلي عن طريق ممارسة الهوايات والنمو الاجتماعي عن طريق أوجه النشاط
الاجتماعي وتكوين الصداقات والنمو الانفعالي عن طريق المساندة الانفعالية ونمو
العلاقات العاطفية.
ب- تكوين معايير اجتماعية وتنمية الحساسية والنقد نحو بعض المعايير
الاجتماعية الأخرى للسلوك.
ج- القيام بأدوار اجتماعية جديدة مثل القيادة وتنمية الكثير من
الاتجاهات الاجتماعية نحو الكثير من موضوعات البيئة الاجتماعية.
د- المساعدة وتحقيق أهم مطالب النمو الاجتماعي وهو الاستقلال والاعتماد
على النفس.
هـ- إتاحة فرصة التجريب والتدريب على الجديد والمستحدث من معايير
السلوك.
والخلاصة أن نوع جماعة الرفاق يتوقف على نوع البيئة الاجتماعية التي
ينتمي إليها الأطفال كما يؤثر رفاق السوء الذين يتسم سلوكهم بأنه ضد المجتمع في
سلوك الطفل ولهذا نلاحظ ظاهرة جنوح الأحداث في المجتمع.
(7) دور وسائل الإعلام في التنشئة الاجتماعية: يقوم النظام الإعلامي في
كل مجتمع من المجتمعات البشرية، بثلاث مهام أساسية هي(مراقبة البيئة، ربط فئات
المجتمع في استجابتها للبيئة، ونقل التراث الاجتماعي)، ولهذا يستخدم المجتمع نظام
الإعلام كمعلم لنقل التراث الاجتماعي من جيل إلى جيل آخر موالي ويمكن مقارنة النظام
الإعلامي بمجلس هيئة ومهمتها الربط بين استجابات البيئة، كذلك يمكن مقارنتها
بالمؤسسات الاجتماعية، كالمنزل والمسجد والمدرسة،ويعتبر النظام الإعلامي قوة تقوم
بالتغيير الاجتماعي والثقافي،وتؤثر وسائل الإعلام بمختلف
أنواعها(صحافة،إذاعة،تلفزيون،سينما،كتب...الخ)مما تنشره او تقدمه من معلومات وحقائق
وأخبار ووقائع وأفكار وآراء لتحيط الناس علما بموضوعات معينة من السلوك مع إتاحة
فرصة الترفيه والترويح.
إن أهم خصائص وسائل الإعلام التي تبرز أثارها في عملية التنشئة
الاجتماعية هي أنها غير شخصية وأنها تعكس جوانب متنوعة من الثقافة وأن أثرها يزداد
أهمية في المجتمع، ويمكن تحديد وظائف وسائل الإعلام في عملية التنشئة الاجتماعية في
النقاط التالية:
1- نشر المعلومات المتنوعة في كافة المجالات التي تناسب كل الأعمال.
2- إشباع الحاجات النفسية مثل إشباع الحاجة إلى المعلومات والتسلية.
3- دعم الاتجاهات النفسية وتعزيز القيم والمعتقدات أو تعديلها.
هذا بالإضافة إلى أن تأثير وسائل الإعلام يتوقف في عملية التنشئة
الاجتماعية على مايلي:
أ-نوع وسيلة الإعلام المتاحة للفرد.
ب-ردود فعل الفرد لما يتعرض له من وسائل الإعلام حسب عمره.
ج-خصائص الفرد الشخصية ومدى ما يحققه من إشباع الحاجات.
د-الإدراك الانتقائي حسب المستوى الاجتماعي للفرد.
هـ-ردود الفعل المتوقعة من الآخرين إذا سلك الفرد وفق ما تقدمه وسائل
الإعلام.
وتتبع وسائل الإعلام مجموعة من الأساليب النفسية في عملية التنشئة
الاجتماعية نذكر منها:
1- التكرار كطريقة للتأثير في عملية التعليم وتسهيل عملية الاستيعاب.
2- الجاذبية وتنوع أساليب الاستثارة مع زيادة التقدم التكنولوجي.
3- الدعوة إلى المشاركة الفعلية وإبداء الرأي.
4- عرض النماذج الشخصية والأدوار الاجتماعية الموجبة.
وباختصار،فإن النمو الاجتماعي يتأثر بعوامل كثيرة أهمها،العامل الفردي
وهو يمثل صحة الطفل الجسمية والنفسية،في الأسرة وتليها المدرسة وأخيرا المجتمع،وإن
اختلاف التنشئة الاجتماعية يؤدي بالضرورة إلى اختلاف السلوك الاجتماعي،كما أن نجاح
التنشئة الاجتماعية يتوقف على مدى التكامل بين الأسرة والمدرسة والمجتمع.
ــــــــــــــــ
*كاتب وباحث في الدراسات الأكاديمية.