|
هل الثقافة ترف أم ضرورة حياة...؟؟؟ هذا هو السؤال الأول الذي يجب أن يجيب عليه المجتمع قبل كل شيء. إذ يجب على المجتمع أن يحدد موقفه من الثقافة، فهل هي ترف حضارة يقع في نهاية سلم الأولويات، أم ضرورة ماسة للمجتمع..؟؟
فأي مجتمع في العالم يتعامل أولاً مع الضرورات الحياتية ويعمل على تأمينها أولاً كالمأكل والمشرب والأمن..الخ. ومن ثم يبدأ بالنظر إلى مسائل الترف بعد تأمين المسائل الأساسية. وهذا الأمر طبيعي عند الجميع. ولهذا فهذا السؤال هو السؤال الأساس الذي يجب أن يجيب عليه المجتمع أولاً وليس المثقف قبل الخوض في غمار الثقافة. لأن الثقافة هي مسألة جماعية بمعنى أنها حالة جماعية يجب أن يصل إليها المجتمع وليس حالة يجب أن يصل إليها الفرد فقط. فوصول الفرد إلى حالة الثقافة هي الوسيلة لوصول المجتمع إلى الحالة الثقافية. فالهدف النهائي هو وصول المجتمع لحالة التثقف. ولهذا فالذي عليه أن يجيب على السؤال السابق هو المجتمع وليس الفرد المثقف، لأنها حالة جماعية وليست حالة فردية في الأساس.
ما هي الثقافة؟:
ولكن ما هي الثقافة أو تعريف الثقافة...؟؟؟ قبل البت في مدى أهمية الثقافة يجب أولاً أن نفهم ما هي الثقافة أو تعريف الثقافة. وفي الحقيقة كثرت التعريفات للثقافة وكأنها أمر هلامي معقد التركيب. ولكن لما لا نضع تعريفاً مبسطاً فيه نظرة علمية معاصرة.
أمثلة للفهم:
إن أول ما نلاحظ على المثقف هو الاستمرارية في القراءة والاطلاع، أي تلقي المعلومات بشكل مستمر، فليس من المعقول أن يكون الإنسان مثقفاً وفي نفس الوقت ينقطع عن العالم معرفياً وعلمياً -ولهذا الفضائيات التلفزيونية صارت أحد مصادر هذه الثقافة خاصةً أن ضيوفها هم قمم في العلم والمعرفة. وأفضل حالات تبلور الثقافة والمعرفة هي في الحوار والنقاش- هذه الملاحظة الأولى.
ولكن ماذا عن طبيعة هذه المعلومات المتلقاة...؟؟؟ في الحقيقة لو أخذنا طبيباً أو مهندساً على سبيل المثال وكان هذا الطبيب أو المهندس أو الشاعر يتلقى فقط معلومات بشكل مستمر من مجال تخصصه فهل تحقق شرط الاستمرارية في تلقي المعلومات؟؟ في الحقيقة لا، فلو جلست مع هذا الطبيب أو المهندس أو الشاعر وتحدث معه في شؤون السياسة أو الاقتصاد أو المشاكل الاجتماعية أو قضايا فكرية أو دينية فستلاحظ أنه أميّ، ولا يختلف كثيراً عن الأميّ الذي لا يقرأ ولا يكتب..!!!!! ولهذا فالملاحظة الثانية هي التنوع في تلقي المعارف والمعلومات وعدم الاكتفاء بنوع واحد من المعرفة. وكأن الأمر أشبه بسوء التغذية أي تناول نوع واحد من الطعام.
الأمية نوعان:
وبهذا أيضاً نكون قد توصلنا إلى نوع جديد من الأميّة وهي الأميّة الثقافية. وفي الحقيقة هي الأميّة الحقيقية لأي مجتمع فأميّة القراءة والكتابة ليست وحدها الأميّة الوحيدة للمجتمع...!!!! لهذا فأنت أيها الطبيب المجد في عيادتك وأنت أيها المهندس المجد في مصنعك وأنت أيها الشاعر الحالم، أنتم لستم سوى أميّين مثل البقية الأميّة في المجتمع، طالما لا تنوّعون مصادر معارفكم. وعليكم أيضاً أن تشعروا بالإحراج الذي يشعر به أميّ القراءة والكتابة -والذي للأسف لن يستطيع قراءة مقالتي. وإذا كان أميّ القراءة والكتابة عنده فقر في التغذية الفكرية، فإن عندكم سوء في التغذية الفكرية وكلا الأمرين سيء. بل أن سوء الطرف الثاني ربما أكبر من سوء الطرف الأول، والسبب أن الطرف الثاني –أي المتعلم غير المثقف- هو أسوء مثال للطرف الأول؛ أي أميّ القراءة والكتابة. والسبب أن الأول سيرى بأم عينه أن المتعلمين الجامعيين غير قادرين على خدمة المجتمع بالشكل السليم، وبالتالي ولا يجد هذا الطرف الأول أي أهمية في العلم والتعلم.
التعريف النهائي للثقافة:
والآن هل يمكن تعريف الثقافة..؟؟؟ في الحقيقة ربما يمكن تعريفها بناءً على ما سبق بأن نقول أن "الثقافة من منظور عملي هي التلقي المستمر والمتواصل للمعارف المتنوعة من علوم إنسانية وطبيعية بشكل غير تخصصي". والحالة المثالية للمثقف هو "ذلك الشخص المتخصص في مجال علمي معين –من علوم إنسانية أو طبيعية- ويغلف ويتمم هذا التخصص بمعرف علمية وإنسانية متنوعة غير متخصصة بشكل مستمر". وهذا لا يعني أن الشخص غير المتخصص في العلوم الإنسانية أو الطبيعة لا يمكن أن يكون مثقفاً. أما بالنسبة لمسألة "معرفة غير متخصصة" فهذا أمر طبيعي، إذ لا يستطيع أحد أن يتخصص في كل العلوم.
الوضع العربي ومدى الحاجة إلى الثقافة:
والآن هل نستطيع الإجابة على سؤالنا المركزي؛ وهو هل الثقافة ترف أم ضرورة حضارية...؟؟؟ في الحقيقة وبناءً على ما سبق يمكننا حدسياً الإجابة على هذا السؤال بأن الثقافة ضرورة. ولكن من الأفضل وقبل الإجابة على هذا السؤال أن نفهم كيف يتفاعل المجتمع مع الثقافة حتى نفهم مدى أهمية الثقافة للمجتمع. وقبلها يجب أن نحاول فهم الفرق بين التعليم والثقافة بشكل أدق. فقد يسأل سائل؛ ألا يكفي تعلم الأطفال في المدارس والشباب في الجامعات ويعمل الخريجين في مجال تخصصاتهم وهكذا تكتمل الدائرة. في الحقيقة قد يعتقد البعض أن هذه الصورة مثالية بما يكفي لنهوض المجتمع وتطوره. ولكن التطبيق الحرفي لهذه الصورة في المجتمع غير كافية لتطوره خاصة إذا كان هذا المجتمع يواجه الكثير من التحديات الخارجية كالمجتمع العربي. فالتطور العلمي في اليابان أو الصين أو دول شرق آسيا لم يكن من تلقاء نفسه بل كان أيضاً بالعون الخارجي الغربي. إذ لم يرى الغرب في يوم من الأيام في شرق آسيا أي شكل من أشكال الخطر. وبالتالي لم يجد أي مانع من استثمار الصناعة المتطورة حينها في الصين واليابان على سبيل المثال. على الأقل حتى دخول اليابان الحرب العالمية الثانية. في حين أن أوروبا تنظر إلى الأمة العربية نظرة عداء تاريخي وعداء حديث. فكما هو معروف أنه في فترة حكم محمد علي لمصر والثورة الحضارة الصناعية التي قام بها. قام الاستعمار الانجليزي والفرنسي على الفور بتفكيك هذه المصانع وهدم هذه الحضارة العربية الناشئة. أما في الوقت الحالي فلا فكاك من العداء الغربي والسبب هو دعمهم لإسرائيل واعتبارها دولة الرب والتي هي شرط لنزول المخلّص -والذي في تقديري أن عليه أن يخلص الشعب الفلسطيني من هذا العذاب خاصةً وأن الشعب الفلسطيني يؤمن أيضاً بعودة المخلّص. ولهذا فالعداء في حقيقته مع الغرب هو عداء ديني على الرغم من التحليلات الغريبة العجيبة التي نسمعها دائماً. ولا أدري ما عساي أن أسمي ما يحدث للمسجد الأقصى سوى كونه عداء ديني. ولهذا فالأمة العربية والإسلامية ليست كأمة اليابان والصين. أي أن لدينا حالة من العداء الخارجي والذي يحاول منعنا من تخطي حدود معينة من التطور التكنولوجي. ولهذا فالصورة التي طرحها السائل عن الأطفال الذاهبين إلى المدارس والخريجين الذين يحصلون على الوظائف من الصعب تطبيقها على أمتنا إن صحت أصلاً. بمعنى أن علينا زيادة المجهود للتغلب على هذه الصعاب. وبالتالي تصبح الثقافة عامل إضافي لا غنى عنه لتطوير المجتمع.
الفرق بين الثقافة والتعليم وعملية تكوين الوعي الجمعي:
فإذا عدنا إلى سؤالنا السابق عن الفرق بين الثقافة والتعليم والذي قاطعنا خلاله ذلك السائل عن كفاية التعليم. نجد أن الثقافة هي الحالة الأكثر تطوراً لحالة التعليم. فالشخص المتعلم المثقف هو أكثر علماً من الشخص المتعلم غير المثقف. وبالتالي هو أفضل؛ بناءً على المنطق العلمي البسيط. ولكن ما الفائدة العملية للثقافة؟؟ بمعنى ما الدور الذي تقوم به الثقافة بين الأفراد...؟؟؟ في الحقيقة تتميز الثقافة عن التعليم في كونها الوسط أو الوسيط العقلي الوحيد الذي يستطيع أفراد المجتمع وبشكل جماعي أن يقيموا علاقات عقلانية مشتركة. وهذه العلاقات العقلانية المشتركة تكوّن "وعي جماعي مشترك". فالمعلومة الثقافية تتميز عن المعلومة التعليمية المتخصصة في كون أنها قادرة على الانتقال إلى أكبر كم ممكن من العقول البشرية دون أي مشاكل تذكر. على العكس من المعلومة المتخصصة التي تبقى في نطاق محصور بين المتخصصين. وبالتالي يحدث تفاعل فكري مشترك بين عناصر المجتمع المتنوعة في التخصصات، تماما كما يحدث لخلايا الدماغ. فخلايا الدماغ عبارة عن تجمعات خلوية متخصصة، مثل مركز الجوع ومركز النوم ومركز الشبع ومناطق التفكير والذاكرة قصيرة الأمد والذاكرة طويلة الأمد..الخ. ومن ثم تعمل هذه المراكز مجتمعة مكونةً الوعي. وعليه لو عملت الخلايا أو مراكز الخلايا المتخصصة في الدماغ بشكل منفصل فلن يتكون وعي موحد للإنسان العاقل. وبالتالي لابد من معلومات تنتشر في سائر أرجاء الدماغ لعمل تفاعل مشترك بين خلايا الدماغ وبالتالي الحصول على الوعي والتفكير ولاحقاً التطور. وهذا تماماً ما يحدث مع المعلومة الثقافية، فهي معلومة قادرة على السريان في كافة عقول المجتمع وبالتالي الحصول على وعي جمعي مشترك بين أفراد المجتمع. الأمر الذي يرفع من فرص تطوير المجتمع ككل. والمنطق البسيط يقول أنه كلما زاد عدد الأفراد العاملين زاد الإنتاج؛ وهو فكري في حالتنا هذه. ولهذا المجتمع الأميّ ثقافياً لا يختلف كثيراً عن المجتمع الأميّ في القراءة. فكلاهما ليس له وعي جمعي أو جماعي. وهذا هو حالة الأمة العربية على سبيل المثال.
النتيجة:
ولهذا فالمعلومة الثقافية لها قيمة أعلى بكثير من المعلومة المتخصصة على الرغم من أهمية المعلومة المتخصصة. وهنا نصل إلى قمة العجب بالوصول إلى هذه النتيجة وهي أن "الثقافة أهم من التعليم المتخصص". فأرقى شيء في الإنسان هو الدماغ وأرقى شيء في الدماغ هو الوعي. وبالتالي الوعي الجماعي هو أرقى ما في البشرية..!!!
آلية تفاعل المجتمع مع الثقافة:
ولكن لإنزال لا نعرف ما الذي تقوم به بالضبط هذه المعلومة الثقافية الخطيرة والتي تصول وتجول في العقول وتقوم بهذا الدور الخطير. بمعنى آخر ما هي آلية هذا التفاعل المجتمعي مع الثقافة...؟؟ في الحقيقة محاولة معرفة كل حيثيات هذا التفاعل المجتمعي قد تكون صعبة جداً والسبب التنوع الشديد لهذا التفاعل الراقي جداً وبالتالي المعقد جداً. ولكن سنحاول فهم أكبر قدر ممكن من هذا التنوع التفاعلي. وحتى نفهم ما الذي يجري لنأخذ مثال من المجتمع ومن خلاله نحاول فهم الأحداث. فلو جلس شخصين من تخصصين مختلفين في مجلس وأرادا فتح موضوع للتحدث معاً. فأول ما يحدث هو رغبة كل منهما إقحام تخصصه في المحادثة وفي حال فشلهما يبدآن بالبحث عن مواضيع مشتركة وعادة ما تكون سطحية مثل أحوال الطقس أو آخر نكته. ولكن ولو نجح الطرفان في فتح موضوع مشترك يشمل تخصصهما المختلف فإنهم سيكونا في حالٍ أفضل. وهذه المسألة عموماً هي غاية في الصعوبة. وأصلاً كل بداية صعبة ولهذا على المجتمع أن يتخطي هذه المرحلة. فليس من المعقول أن نبدأ دائماً من الصفر، ويقوم بهذه العملية كل فرد في هذا العالم. ولهذا فالشخص المثقف يتخطى هذه المرحلة بسبب ثقافته التي مرت مع أشخاص سابقين خاضوا هذه التجربة ونجحوا فيها وكتبوها في كتب. فهو في هذه الحالة يختصر الوقت ويستثمره في الأطوار التالية. وهنا تبدأ اللحظة الحاسمة، إذ يبدأ الاثنان بتمرير المعلومات المشتركة فيما بينهما، أي المعلومات التي يستطيع الطرف الآخر فهمها دون الحاجة إلى أن يكون متخصصاً في مجالها. فالطرف المتلقي لهذه المعلومات سيلاحظ أنها معلومات متطورة ولكن بطريقة جديدة والاختلاف هو أن هذه المعلومات معلومات أكثر شمولية من معلوماته. أي أن قاعدة احتوائها تحتوى علمه وعلم الطرف الآخر. فتنشأ حالة من الدمج والتوحيد بين التخصصات الفكرية المختلفة. وإذا حدثت هذه الحالة على المستوى الجماعي تنشأ عملية دمج جماعية على مستوى الأمة أو الشعب، ويصير المجتمع أكثر انسجاماً.
دور التخصص في الثقافة:
وكلما كان الشخص أكثر عمقاً في تخصصه، كلما كان أكثر قدرة على إنتاج معلومات أكثر شمولية مع التخصصات الأخرى. ومن هنا تبرز أهمية التعلم والتخصص. ولكن كيف نفسر هذه العلاقة الطردية بين العمق في التخصص والشمولية في إنتاج الأفكار...؟؟؟ في الحقيقة -وحتى لا نُتّهم بالحدسية- العلم في أحد وجوهه؛ هو البحث عن العلاقات المشتركة بين العناصر المختلفة. ففي العلوم الطبيعية –على سبيل المثال- المبنية على التجربة، هي في الحقيقة تدرس السلوك المشترك بين العناصر المختلفة. فقانون لكل فعل رد فعل على سيبل المثال هو صفة مشتركة بين كل الجمادات. أو أن التدخين مضر؛ هو في نهاية الأمر صفة مشتركة بين البشر. وفي العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع على سبيل المثال، نجد أن البطالة تسبب المشاكل الاجتماعية في كل المجتمعات. وكلما كان الفنان أكثر عمقاً في فنه كلما كان أكثر تأثيراً في الناس كماً ونوعاً أي شموليةً وهكذا. ولهذا كلما كان التخصص أكثر عمقاً كلما كان أكثر شموليةً وبالتالي أكثر ربطاً بين عناصر المجتمع وبالتالي أكثر قدرة على إنتاج مواد ثقافية. وبالتالي الشخص المتلقي لهذه المعلومات الثقافية يصبح أكثر عمقاً في تخصصه وبالتالي أكثر شمولية في إنتاجه الثقافي. وبالتالي يصبح المجتمع في حالة من التفاعل المتواصل، وتزداد الشمولية والتوسع في الأفكار ويتشكل الوعي الجماعي المشترك للمجتمع وبالتالي تصبح عملية تطور المجتمع أفضل بكثير لأنها عملية جماعية وليست فردية؛ ولا مجال للمقارنة.
نواة تطور المجتمع وعلم الثقافة:
ولهذا العلاقة بين انتشار التعليم المتخصص وانتشار الثقافة هي علاقة عضوية. فكلاهما يدعم الآخر ويطوره. ولهذا لا يمكن التخلي عن نشر التعليم وكذلك لا يمكن الاستغناء عن انتشار الثقافة. فهما "شقي النواة المطوِّرة للمجتمع"...!!! ولهذا فإن ما يحدث في العالم العربي هو كارثة بكل المقاييس. فمبيعات الكتب هي الأدنى في العالم، والبيت العربي في العادة يخلو من المكتبة المنزلية والحجج التي نسمعها هي أقبح من الذنب. ولهذا فإن المجتمع بحاجة إلى مشروع يعمل علي نشر أهمية الحاجة للوعي الثقافي تحت عنوان "نشر علم الثقافة" أولاً وذلك قبل التكلم عن الثقافة. وفي تقديري أن هذه المقالة تصلح كورقة تأسيسية لهذا العلم الجديد. ولأن هذه المقالة ليست أصلاً للتكلم عن هذا المشروع وعن هذا العلم، فستكون لهذا المشروع مقالات خاصة به لاحقاً.
من فوائد الثقافة على المجتمع:
والسؤال الآن ما الفوائد الناجمة عن تكون الوعي الجماعي للمجتمع إلى جانب مسألة التطوير الصرف؟؟ في الحقيقة من الفوائد الأخرى لتكوّن الوعي الجماعي أنه يزيل التناقضات في التيارات المحركة للمجتمع. بحيث أن القواعد والأسس الفكرية الجماعية أي الثقافية تقلل الفروق بين تيارات المجتمع، إلى درجة الوصول إلى الفروق الصحية. والفروق الصحية هي الوحيدة التي تعمل على التطور. فالتطابق المطلق لتيارات المجتمع لا تؤدي إلى نشوء التفاعل، في حين أن الفروق الكبيرة تؤدي إلى تصادم المجتمع –فالرجل مثلاً لا يستطيع أن يتزوج من رجل بسبب التطابق المطلق والذي لا يؤدي إلى التفاعل التكاثري. في حين أن الرجل لا يستطيع الزواج من حيوان بسبب الاختلاف الشديد بينهما. فقط يستطيع الزواج من المرأة لأن بينها تشابه كبير ولكن ليس مطلقاً- ولهذا الأحزاب في الدول المتطورة نلاحظ عليها الاختلاف ولكن ليس إلى درجة التناقض والتشابه ولكن ليس إلى درجة التطابق الأمر الذي يعدم فرصة نشوء تفاعل بين العناصر. وهذه الصفة موجودة في كل عناصر الطبيعة..!!!! ولهذا لا نلاحظ الفرق الكبير في سياسات الدول المتطورة في حال نجاح المعارضة في الوصول إلى الحكم.
الأمر الثاني المفيد من هذه المسألة أن هذه الحالة تؤدي إلى الاستقرار السياسي للمجتمع وبالتالي الاستقرار الاجتماعي. وبالتالي التطور المستمر للمجتمع وتجنب الحروب الأهلية المدمرة والبدء من الصفر كالعادة. وبالتالي تصبح مسألة التخلي عن السلطة أقل ضرراً بالنسبة للطرف الحاكم. إذ إنه لن يواجه الأذى من المعارضة المختلفة معه ولكن ليس إلى درجة التناقض. وأيضاً يضمن هذا الطرف حقه في العودة إلى الحكم في حال قدم برنامجاً أكثر تطوراً.فيبقى الجميع في داخل اللعبة السياسية في نهاية الأمر، وهذا ما يحدث في الدول المتطورة ذات مبيعات الكتب الكبيرة. في حين أن الجهة الحاكمة في المجتمعات المتخلفة في حال خسارتها للحكم فإنها لن تحلم في يوم من الأيام من العودة إلى السلطة. إلا بطريقة أكثر تخلفاً وهي القوة المادية -كون الفكر أكثر تطوراً من المادة- وبالتالي قوة السلاح، أو بطريقة أكثر تطوراً وهي عبر تطوير المجتمع تعليمياً وثقافياً...!!!!!
أيضاً يصبح المجتمع أكثر تحسساً للأذكياء -وفي الحقيقة الكل ذكي ولكن في مجال ذكائه- وأعلى قدرة في توجيههم إلى المجالات المناسبة لذكائهم. وبالتالي يتم استثمار أقصى طاقاتهم في خدمة المجتمع، ويصبح المجتمع في أقصى حالات الإنتاج والإبداع. وهذا ما يمكن أن نلاحظه على الدول المتطورة على سبيل المثال. وعليه تزداد درجة التقدير لهؤلاء الأفراد، وبالتالي يزداد حماسهم في الإنتاج والإبداع. وهذا التقدير يتحقق بعدد طرق منها المباشر ومنها غير المباشر. فالمباشر هو التقدير والاحترام الرسمي والشعبي وفتح كل المجالات التي يحتاجونها لإبداعاتهم. أما غير المباشر فهو على سبيل المثال عبر مبيعات الكبيرة لكتبهم ولإنتاجياتهم الإبداعية، وبالتالي حصولهم على مداخيل تؤمن لهم العيش الكريم والتفرغ لإبداعاتهم الفكرية والإنسانية. فإذا كان المجتمع لا يقرأ بسبب أميّة القراءة أو الثقافة فمن سيشتري كتبهم وإبداعاتهم ومن سيقدرهم..؟؟؟
توصيات:
ولهذا فمجتمعاتنا بحاجة إلى مشروع لنشر الوعي الثقافي أولاً وليس الثقافة فقط. وهذه المقالة هي أحد معطيات هذا المشروع. فهذه المقالة مهما كانت رائع فإنها في النهاية ليست سوى مقالة في صحيفة أو مجلة سينساها القارئ العزيز في اليوم التالي ما لم تتحول إلى مشروع وطني على أقل تقدير. فعلى سبيل المثال هكذا مادة بحثية مهمة –وهنا لا أقصد هذه المقالة فقط بل "علم الثقافة"، وعموماً هذه المقالة ليست كل ما أملك. إذ لا داعي للتذكير أن هذه المقالة هي أيضاً منتج ثقافي وبالتالي هي نابعة من تخصص خاص بي لست هنا بصدد مناقشته- يمكن أن تدرس في المدارس والجامعات تحت أي مسمى كان. حتى يستطيع المجتمع التفاعل معها وتبقي في الذاكرة الجماعية للمجتمع. ويصبح هدف المجتمع تكوين "الوعي الجماعي"، والذي هو أرقي حالات التطور البشري. فإذا كانت التكنولوجيا المتطورة ممنوعة عنا فإن تكوين وعي جمعي للمجتمع لن يستطيع أحد منعنا من القيام به، إن أردنا القيام به. فهو مشروع يستطيع الجميع المشاركة فيه دون استثناء. فهذا مشروع جماعي وليس فردي.
ولك أن تتخيل أُماً تعلم أطفالها هكذا ثقافة..!!!!( * كاتب عربي من فلسطين ـ طولكرم)
|