|
لا جدال في القول ان الديمقراطية بمختلف تعابيرها ومدلولاتها المتنوعة وتطبيقاتها ستشكل في المستقبل الحدث الأكثر أهمية في حياة الإنسان بمختلف مواقعه ومواقفه، وعلى جميع المستويات المحلية والأقليمية والعالمية ولدرجة أصبحت كنسمة ريح باردة في ليلة حارة لبعض، وريح عاصفة قوية تهدد ما تبقى من ركائز مخلخلة يابسة في منظومة الدفاع عند الذين تحجرت عقولهم وأصبحوا ديناصورات عصرهم، وأكثر ما يثير قلقهم أنها بدأت تدق أبواب الجميع لتستعيد أغلب النقاشات.. والحوارات والخلافات حولها منها وإليها.
من المعلوم ان الديمقراطية تعني حكم الشعب، وأن من المغري أن نفترض أنه حيثما يحكم الناس، فلا يمكن أن يكون هناك طغيان، لكن التاريخ والتفكير يخبراننا بأن الأمر ليس كذلك، فقد تطغى أغلبية بقسوة على أقلية. وما نريده ليس حكم الأغلبية ببساطة بل حكم أغلبية زائداً حماية حقوق معينة تعود إلى الأفراد، مقاربة بما حصل في بلداننا، حيث طغت أقلية بقسوة على الأغلبية وسينصفنا التاريخ إذا قلنا إن في مرحلة من مراحل انحطاط الديكتاتوريات والديمقراطيات أصبحت - الأغلبية - والأقلية وكل مقومات الحياة رهينة واحدة وكلمة واحدة من شخص واحد إلى الموت البطيء... فأي نظام لا يكون ديمقراطياً حرا إلا إذا وجدت مؤسسات قوانين ومحاكم وشرطة قادرة على اكتشاف متى تكون الحقوق قد انتهكت، كما يسمح به الرأي العام ويطلبه.
في الوطن العربي اكتملت المؤسسات... والقوانين والمحاكم على المرحلة الأخيرة من إنجاز منظومة الدولة والمشاركة مع حلفائها، مستندة على تجارب الدولة الحديثة ،دولة هجينة - محلية تستجيب للنزاعات والصراعات والخصوصيات ، وخارجية تحمل سلوكاً وخطاباً وإطاراً قانونياً، كل ذلك البناء مفتاحه من الداخل لتصبح الدولة تحكم المجتمع عبر الغرف المغلقة والتشريعات والمراسيم والسياسات التي تزيد من إغلاق كل منفذ خارجي تجاه الشعب. ومصالحه وحياته ومطالبه...
والمحطة الثانية التي استفادت ليس فقط من تجربة فشل - موت الاشتراكية وانهيار الاتحاد السوفيتي مروراً بتجربة إفلاس النزعة المحافظة الكلاسيكية والمحافظة والحديثة، بل باعتبار مريديها أيضاً أنها تجربة كونية في بعض جوانبها (الطريق الثالث، أنتوني جيونز) وما يهمنا في هذا المقام هو مضمون رؤية الخارج وخاصة في أكثر جهود النخب السياسية والتي تعمل بصورة مؤثرة في صياغة القرار الدولي فيما يتعلق بالبحث، وخاصة الرسائل القريبة للعالم العربي والتحذيرات من التأخير في الدخول في (محراب الديمقراطية) مع تحمل نتائج وآثار التلكؤ.. مع اقتراح إطار يمثل برنامج عمل في طور التكوين.
إن أزمة الديمقراطية الليبرالية باعتبار أن أزمتها ليس لها أعداء إنما تواجه مخاطر، وتالياً يجب عليها أن تبحث عن مصادر شرعية أخرى عن الماضي، دمقرطة الديمقراطيين في ساحتنا وفي خضم التداعيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وحالة المزيد من التراجع أصاب الجميع حكومات طبقات وأفراداً وأحزاباً، لنتوقف من موقع المختلف، المطلوب توسيع دائرة الحريات والحقوق والمواطنية العادية التي تسمح للرأي العام والأفراد، على اختلاف انتماءاتهم ومستوياتهم الثقافية والاجتماعية بالمشاركة في التفكير الجماعي الحر والمنظم. مستخلصاً مدخلا لولوج باب التحولات الديمقراطية، فهو من دون شك مسألة وطنية واجتماعية معا.
وحول المسألة الوطنية التي هي حجر الزاوية في التفكير الديمقراطي باعتبار أن النظم الأبدية والشمولية الواحدية تركتها من دون حل وفي أسوأ حالة يمكن تصورها؟!! فإن تفكيك هذا الخطاب الذي يحمل المسار الديمقراطي هو أكثر بكثير من قدراته؟! لدرجة عجزت قوى سياسية عن إتمام إنجاز المهام الوطنية وما تركته من أثقال باعتراف الكاتب، وهذا ما يدفع بالكثير من حاملي رسالة الديمقراطية المجتمعية إلى العودة إلى جذور المشكل؟! وهل المطلوب تضحيات واستنزاف... لولوج الديمقراطية الموظفة سياسياً، هل كان ينقص الفريق الأكثر إدراكاً للمخاطر وللمستقبل وشيء يحثهم على بذل الجهد ويبين لهم العوائد العظيمة والحتمية لجهودهم؟!!
أهم ما يميز الخطاب الثوري السياسي في عالمنا العربي وقوعه في أسر العجز المتفشي في كلا الأصعدة.... للأزمة المركبة... تسويات هشة داخلية، قشرية... لملامح قوى اجتماعية ساهم الشرط الأيدولوجي والموقف المسبق من الحدث التاريخي في تغيب الإمكانيات والقدرات لمعالجة تبلورها التاريخي، وتمييع وتلوين الصراعات وتدجينها. وفق معادلة فضاءات للتعبير،لا المشاركة ولا المعارضة الإيجابية، حاملة مشروعاً متكاملاً يجري بحثاً في آلية الهدف البرنامجي للتغيير، مما يسمح بالحديث عن ديمقراطية بدون ديمقراطيين أو ديمقراطيين لا مكان لهم لممارسة الديمقراطية والسياسية.
وبخصوص العلاقة التصحيحية بين التنمية والديمقراطية فأن الطريق للديمقراطية لا يمكن أن يكون معبدا دون الاعتماد على التنمية كما أن التنمية لا يمكن أن تتحقق دون وجود الديمقراطية ،فهدف التنمية الأساسي إيجاد بيئة تمكن الناس من التمتع بحياة صحية وخلاقة، فمنذ السبعينات بدأ بعض المفكرين الغربيين بالتحدث عن أهمية النمو والتنمية في بلدان العالم العربي، ولم تكن كل هذه الدعوات بريئة وهدفها إلى المزيد بالتوافق مع ضرورات التوسع في الاستثمارات وخلق أسواق تصريف... ولمواكبة التطورات التي كانت تعيشها أغلب الدول الغربية... فكان من الطبيعي أن يتم التعامل مع موضوعات التنمية بحذر وخوف إذا لم يكن بالتشكيك باعتبارها هدفاً استعمارياً واجب التصدي له... فكان ينقص الأمة العربية أكثر من امتحان وهزيمة لتستيقظ على واقع كل ما فيه يحتاج ليس فقط إلى مراجعة نقدية.... لمسارها ولتطورها، بل إلى مكانتها في سلم التطور الطبيعي فأصبح الوضع (للأسف) عند غالبية النظم العربية مقياس التطور بما سبق.. ليس المتحقق منه بفعل سياسة عقلانية رشيدة تتسم بالديناميكية بل بالماضوية المفرطة في ضعفها... وفي عدم صلاحيتها للحياة...وكذلك(للأسف) كان الجميع ينظر للجميع نظرة التوجس والخوف والقلق من أي متغير في شروط الواقع الساكن خوفاً من التغيير فكان من الطبيعي أن تصبح المنطقة العربية ساحة نزاعات وحروب وصراعات وما يرافقها من تخلف وفقر وقمع، مضافاً إليها ازدياد الوعي في خطورة المشروع الصهيوني وأهمية التعامل مع هذا الكيان الغريب حتى نهاية الثمانينات، بقيت مسألة التنمية محصورة في أوساط النخب الفكرية والمحللين الاقتصاديين، وتراجعت مفاهيم ومصطلحات التنمية لتحتل الشعارات والخطب وضرورة تداول السلطة مكانها وفي قراءة لأغلب برامج الأحزاب السياسية العربية المعارضة منها والمتحالفة مع السلطة وما بينهما خلت من أي إشارة إلى أهمية التنمية، وشهدت الثمانينات في أغلب الأقطار العربية حالة حراك مجتمعي إلا أنها كانت تفتقد إلى عنصر المعلومات الدقيقة بفعل حالة السرية المطبقة على أغلب اقتصادات المنطقة بذرائع أمنية، وظهر على السطح بما يسمى بالمصطلحات.. الأمن الاقتصادي والذي سبقه بفترة الأمن السياسي، مترافقاً بالتهويل بالمنجزات المتحققة فكان من الطبيعي أن يتم إفراز تورم سياسي اجتماعي سياسي، لكسر حلقة الجمود في الواقع... ولاستبعاد أي قراءة تعيشها المنطقة العربية، فكان التيار السلفي الديني الكرة الجاهزة بيد أعداء الأمة كقوة ضاربة، وذلك لتحقيق أمرين أولهما: المزيد من الضغط على الحكومات لإلحاق ما تبقى من اقتصادها في طاحونة العجلة العالمية، وثانيهما: تفويت فرص الانتقال الطبيعي نحو مجتمع معافى سليم، وترافق مع افتعال ضجيج صاخب لما يسمى بالمشاريع الاقتصادية الشرق الأوسطية، والمتوسطية، واعتبار دولة الكيان الصهيوني ذات الرعاية الخاصة، وبدأت بعض الدول العربية إدارة الظهر لكل الموضوعات المشتركة ذات النفع الاقتصادي باتجاه التعامل الواقعي مع الحالة الراهنة وأنجزت أغلب مكرساتها السابقة ولم تتقدم خطوة باتجاه التنمية... بينما بقيت أغلب الدول تحاول الخروج من التخلف والفقر عبر خططها الاقتصادية...
وفي مطلع التسعينات من هذا القرن، بدأت تقارير التنمية البشرية بالتعامل مع الأرقام والأوضاع بدلالات سياسية فكانت التقارير تمثل إدانة واضحة وصريحة للنظام القطري العربي إذا توفرت الإرادة السياسية فإن البلدان العربية تتوفر فيها الموارد اللازمة لاستئصال الفقر المطلق، ربما في غضون جيل واحد.
ولنتوقف عند بعض القضايا المعوقة للتنمية والتي ساهم الإعلام العربي رغم قصوره في إلقاء الضوء على بعضها دون تحليلها ومعرفة أسبابها لمعالجتها.
والملاحظ ان ظاهرة الفساد المعمم والمستشري في البلدان العربية وخاصة الرشوة واستغلال المنصب، والإثراء غير المشروع وما ينتجه من خراب وآثار مدمرة على الاقتصاد والبشر أدت الى فساد قيم وأخلاقيات المجتمع الاستهلاكي المشوَّه، ناهيك ان ضخ رؤوس الأموال إلى الخارج.. بغياب القانون والمحاسبة والروتين، ادى الى اضعاف رغبة المواطن في المشاركة بتغيير واقعه وظروفه، وخلق بيئة طاردة للاستثمارات المالية إذ تقدر بتريليون دولار يتم توظيفها واستثمارها في الخارج، مترافقة مع هجرة الأدمغة والعقول المبدعة، إذ يقدر عدد العلماء العرب المغتربين بمليون عالم يعملون في الدول الصناعية المتقدمة بسبب السياسات الطاردة للبشر ولرأس المال .
.
لقد رأى((ستالونزي))- صاحب الاتجاه السلوكي- ان التربية هي نمو متزن لقوى الإنسان، وتطرّف ((هربارت)) عندما اعتقد بأنها بناء للأخلاق، وذهب ((فروبل)) إلى أن نقطة البداية في العملية التربوية هي قيمة الطفل وميوله.فالمربي الأول أراد أن يحقق الهدف التربوي بوسائل خارجية تتصل بالإعداد المباشر للفضائل الخلقية، والمربي الثاني اتخذ التعليم والمعلم وسيلة لتحقيق استثارة الرغبات عند الاحتكاك بالوسط المعني فتتكون الأخلاق، أما المربي الثالث فيرى أن التربية تبدأ بالنشاط الذاتي لدى الطفل وتكوّن الميول الإرادية لديه مجموعة نزعات قيمية تربط بين نشاطه والوسط المعني، ويتضح مما ذكر أنهم استهدفوا بناء الأخلاق بسبل مختلفة، ويبدو أن تشتت اتجاهاتهم وتعدد وسائلهم حاصل عن اختلاف صورة النموذج الذي اعتمد عليه كل منهم، فضلاً عن خضوع هذا النموذج لتأثير الصراعات الدينية والسياسية من جهة والاتجاهات العلمية للثورة الصناعية من جهة أخرى، وتبعاً لما ذكر فقد تباعدت الاتجاهات والسبل المؤدية إلى العملية التربوية.
ومع بداية القرن الماضي، برزت نظرية ((جون ديوي)) واستحوذت على عقول المفكرين والباحثين في حقل التربية، إذ نال هذا المربي لقب (نبي التربية الجديد) فقد أحدثت أفكاره تغييراً كبيراً لا يقل شأناً عن ذلك الانقلاب الذي أحدثه ((كوبر نيكس)) في علم الفلك، فلقد نقل محور الفلك من الأرض إلى الشمس، وكذلك ((ديوي)) حين أشار إلى مركز الجاذبية في أي عملية تربوية بقوله:(جدير بالتغيير الذي يطرأ الآن على التربية والتعليم في مدارسنا أن يمتد إلى مركز الجاذبية منه). فالطفل عنده ليس مركز جاذبية فحسب بل هو محور البداية والمركز والغاية المرجوة من العملية التربوية، وبمعنى آخر أن الطفل من وجهة نظره هو الشمس التي ينبغي أن تدور حولها سائر النظم التربوية بدءاً من القيم التربوية في العائلة إلى الظواهر السلوكية في المجتمع وما اكتسبه من مهارات واتجاهات شخصية.
يرى ((ديوي)) أن النشاط المدرسي يجب أن يكون مؤسّساً على نمو الأطفال وميولهم، وهذان العنصران لا يزرعان إلا في الرحم الثاني الطفل وفي مساحة المحيط المحدد بالأب والأم، إذ أن المربين حرصوا على أن يصطلحوا مصطلح الصف التأهيلي على عائلة الطفل الصغيرة، والأبوان هما المعلم الأول له، ومنها يتزود بالمهارات والأنماط السلوكية، وكذلك يمكن لهما استقراء نتائج تنشئتهما وتربيتهما على وفق المعايير السائدة إذا تجلّوا حقيقة الظواهر الثابتة لدى الكبار على أنها انعكاسات وردود لما تلقوه في مرحلة طفولتهم، وهذا ما أسفرت عنه بحوث السايكولوجيين، فلا مناص من اعتماد العائلة الصغيرة كمرحلة تربوية أساسية قبل المدرسة وعليها يقع عبء المسؤولية الأكبر في إعداد الطفل السوي إعداداً بدنياً وذهنياً، يؤمن له الاتزان أمام معترك المجتمع.
وعلى سبيل المثال، إن المدرسة تعلم الطفل قراءة اللغة وكتابتها، أما اكتسابها فيتم بصورة طبيعية في مرحلة سابقة لذهاب الطفل إلى المدرسة بسنوات معدودة وتلقي الطفل اللغة يتناسب مع نبوغه وتفوقه بها تناسباً طردياً مع مستوى تحصيله المعرفي من أبويه، فقد أثبتت الدراسات والأبحاث الميدانية أن تميز التلميذ في السنوات الأولى من المدرسة يعزى إلى حرص الأبوين على تزويد ابنهما بمهارات القراءة والكتابة والمعارف التي تصقل قدرته وتطور ميوله.
فالأسرة وفق هذا المفهوم تعدّ من أخطر المؤسسات التربوية وأعمقها أثراً في سلوك الأبناء ويلعب الأبوان الأثر الكبير والمهم في العملية التربوية لحرصهما المفرط على تقديم الطفل وتهيئتهِ تهيئةً مبكرة للتفاعل مع المجتمع على وفق أنماط سلوكية مقصودة، كما يزودانه بالاتجاهات والقيم والمعايير التي عليه أن يؤمن بها ويدافع عنها ويضحي من أجلها كقيم الشرف والوفاء والدفاع عن الوطن والذود عن حياض العائلة... الخ. فمثلاً عندما يتظاهر الطفل بالشجاعة والقوة فإنه في واقع الحال يعكس تشبثه ومن ثمَّ تقمصه شخصية أقرب الناس في محيطه الأسري يرمز في نظره إلى الشجاعة والقوة، وموقفه هذا ليس بدافع الإيمان بقيم الشجاعة والقوة، ويكفينا دهشة ما يقوم به الطفل في ارتداء ملابس الكبار أو تقليدهم في التصرف.
إن العملية التربوية التي تُمارَس داخل جدران البيت - المدرسة الأولى- ولاسيما في السنوات الأولى من عمر الطفل، لها وقع مهم في التأثير على تكوينه النفسي والاجتماعي وبناء شخصيته ومشاعره، فإذا كان أسلوب التربية البيتية قائماً على إثارة مشاعر الخوف والقلق وانعدام الأمن في نفس الطفل فالاستجابة لذلك الأسلوب تكون عادة باضطراب أنماط السلوك لديه وإعاقة نموه النفسي، ومن ثم تؤدي إلى التأخر في مجالات نموه الأخرى، وكذلك نجد أن انعدام التكيف السوي للطفل في المدرسة صادر عن وجود حالة صراع انفعالي دائم ما بين الأبوين استهدف بشكل غير مقصود الاستجابات الطبيعية لتكيف الطفل فأظهر بدلاً من ذلك وهكذا بقية أنماطه السلوكية.
إن الدراسات الحديثة والبحوث المتخصصة في علم النفس والاجتماع ولاسيما التحليل النفسي وجهت كل اهتماماتها إلى العلاقة القائمة بين تربية الأطفال أو أساليب معاملة والديهم لهم وبين انعدام التكيف السوي في حياتهم، إذ كشفت هذه الدراسات عن حقائق مهمة حول أثر ونوع التعاليم التي يتلقاها الطفل من الكبار المحيطين به ونوع وأساليب المعاملة التي يتعرض لها، وكيف تؤدي به أحياناً إلى الجنوح والانحراف.
وعليه، نخلص إلى القول بأن التربية الخاطئة تقف في مقدمة العوامل الأسرية التي لها صلة بجنوح الأحداث وارتكابهم للجرائم وأنها توجد بين المنحرفين بنسبة كبيرة عن وجودها بين غير المنحرفين، وفيما يأتي حصر لأخطر أشكال وأساليب التربية الأسرية غير السوية والتي تؤدي إلى كثير من الاضطرابات النفسية والانحرافات السلوكية والجنوح بحسب البحوث الميدانية والدراسات الاستقرائية الحديثة:
1- طموح الآباء المفرط: يعد طموح الآباء الزائد إلى حد الإفراط نوعاً آخر من أساليب التربية البيتية الخاطئة التي لها خطورتها وآثارها السيئة في التكوين النفسي للطفل وتكيفه الشخصي والاجتماعي السوي وتكمن درجة خطورته في أن بعض الآباء يحاولون تحقيق الكثير من طموحاتهم وأحلامهم - التي حرموا من تحقيقها- في شخص أبنائهم، خاصة إذا كان هذا النوع من الطموح الزائد مما لا يتحمله هذا الابن أو لا يتفق مع إمكانياته وقدراته أو قد لا يساير ميوله ورغباته، إن دفع الطفل لهدف ما دون إدراك ومعرفة ووعي لقدراته وإمكانياته يعرضه للفشل لأن الطموح أوسع من مستوى القدرات، وهذا الشعور المحبط له نتائجه الوخيمة وأضراره الكبيرة من أبرزها الشعور بالنقص العدواني أو السلوك الاعتدائي كالتخريب والقمع والهرب والمشاكسة... الخ، وفي هذه المظاهر السلوكية المنحرفة يكمن الخطر الكبير فيدفع الأطفال إلى حالات الاضطراب النفسي والقلق الشديد ومن ثم الانحراف السلوكي والجنوح، لأن من البديهي أن الطفل لا يتعلم إلا ما يريده ويميل إليه.
2- الإفراط في التسامح والتساهل:إن المبالغة في التسامح والتساهل من جانب الوالدين للطفل يستثير لديه الشعور بعدم المسؤولية واللامبالاة ويدفعه إلى هاوية التمادي في الخطأ. فقد يقال إن هذا التسامح هو نوع من الحب ولكن نجاح التربية يزداد بازدياد ما يتلقاه الطفل من حب وتقدير من أبويه إلا أن هذا الحب يجب أن يعطى بقدر معين، أما إذا جاوز الحب الحدَّ المطلوب فإنه يفقد أثره ويؤدي إلى نتائج عكسية، وهذا النوع من أساليب التربية الخاطئة والذي يقوم على الإفراط في التسامح له آثاره الخطيرة في تكوين شخصية الطفل وفي سوء تكيفه السلوكي مع المجتمع وانحرافه، لقيامه بألوان السلوك المضاد للمجتمع مما لا يقره القانون القيمي فيقع تحت طائلة العقاب والردع المستمر.
3- الإفراط في العقاب: يعتقد بعض الآباء بأن العقاب نوع من الأساليب التربوية المهمة تقتضيها عملية تربية الطفل وتعويده على السلوك السليم وهم في ذلك ينظرون إلى أن العقاب يحقق أكثر من هدف وبأسرع وقت وبأقل جهد والواقع أن العقاب كأسلوب من أساليب التربية تأتي خطورته من ناحيتين مهمتين هما: نوع العقاب ودرجته، فأما نوعه فإن كثيراً من الآباء يتجهون في أساليب عقاب الطفل إلى العقاب البدني القاسي كوسيلة قمعية تحول دون تكرار خطأ ما، بينما يميل بعضهم الآخر إلى العقاب النفسي الذي يقوم على حرمان الطفل من رغباته الملحة وتكبيل حريته برادع الخوف والقهر النفسي، ولابد من تحذير الآباء الذين يجمعون بين العقابين: البدني والنفسي، وأما من حيث درجة العقاب فإن بعض الآباء قد يفرط فيه ويصل في إفراطه إلى درجة قاسية جداً، إن العقاب غير العادل يعدُّ عاملاً مهماً في انحراف الأطفال وجنوحهم ويدفعهم باتجاه تعودهم على المماطلة والكذب كوسيلة يدرأ بها قسوة العقاب، فضلاً عن شعوره بمنح حضوره العائلي وسعيه إلى خلق كيان بديل له وغالباً ما يكون ذلك الكيان عدوانياً متمردا.
4- النبذ والإهمال: إن إهمال أحد الوالدين أو كليهما للطفل يمثل مظهراً من مظاهر أساليب التربية الخاطئة ويستفحل هذا الشعور لدى الطفل عند إحساسه بأنه منبوذ أو غير مرغوب فيه وعليه يزداد الاضطراب النفسي للطفل كلما زاد هذا السلوك أو تكرر ولاسيما في المراحل الأولى من عمره، والمعروف أن اعتماد الطفل في مراحله المتقدمة من عمره يكون على والديه إذ منهما يستمد العطف والحنان والحماية والتأييد، واستجابة الطفل لهذا السلوك الخاطئ تأخذ أشكالاً عدة يبتكرها الطفل كي يستثير عطف أمه أو حنان أبيه، فيلجأ إلى سرقة شيء مهم من متعلقاتهما كمحاولة لتعويض ما فقده من حب وحنان، وكثيراً ما يلجأ الطفل إلى ألوان مختلفة من السلوك يهدف منها توجيه نظر والديه إلى حاجاته المختلفة وقد تستفحل هذه الألوان السلوكية وتتحول إلى وسائل انتقامية موجّهة للوالدين، تعويضاً منه عن تقصيرهما في التمادي في إهماله فيلجأ إلى تخريب وإتلاف أدوات المنزل أو السرقة أو الهرب من البيت والاختفاء عن الأنظار، وأخطر آثار هذا اللون من السلوك هو ما يتمثل في قيام هؤلاء الأطفال بألوان السلوك التي تنم عن حقدهم على مجتمعهم، نتيجة استغراقهم في هذا النوع من السلوك الذي يؤدي بهم في النهاية إلى هاوية التمرد والحقد والجنوح.
5- الشـدة والجفاء: يتصف بعض الآباء بالصرامة البالغة والجفاء المقيت في تعاملهم اليومي تحت سقف البيت العائلي حيث تأخذ هذه الصرامة وهذا الجفاء مظاهر مختلفة منها الشدة المتناهية، والأوامر الصارمة، والمعارضة غير الواعية لرغبات الطفل، وكبت حريته وتحديد سلوكه على وفق ما يحبه الأب وما يكرهه، وخوفاً من مشاعر الغضب وعواقبه يتقمص الطفل الطاعة العمياء وهو يشعر بأن إرادته قد سلبت فيتنامى لديه الشعور بالانفجار والتحدي، إذ يأخذ هذا الشعور أنماطاً سلوكية مختلفة كالكره وتجنب المواجهة مع الأب والتمرد المستمر عند غياب الأب، ويدعي كثير من الآباء أنهم يقومون بما هو صالح لبناء شخصية أبنائهم المستقبلية متناسين أن التزمت والصرامة أساليب تربوية خاطئة تتقاطع مع إرادة الطفل ورغباته الخاصة، فضلاً عن أن هذه الأساليب التربوية الخاطئة تحجب عنه فسحة الوداعة وروح السماحة والاتزان السلوكي.
|