التسوية السياسية.. معوقاتها وآفـاقها00(دراسة تحليلية)

بقلم/ د. زاهـر زكـار

2010-05-23 13:30:04
 

كثيرة هي الجهود ومحاولات الوساطة التي قامت بها أطراف إقليمية ودولية من أجل التوصل إلى تسوية سلمية للصراع العربي-الإسرائيلي، هذا الصراع الذي شهد على مدار عقود من الزمن فيضانا في الخطط والمبادرات ومشروعات التسوية السياسية ،ورغم كل ذلك ما زالت المنطقة بعيدة عن التسوية السلمية الحقيقية التي يمكن أن تقود إلى سلام عادل وشامل ودائم. لقد مضى ما يقرب من أربعة عشر عاما على مسيرة مدريد للتسوية السلمية للصراع العربي-الإسرائيلي، ويبدو أن العملية قد وصلت إلى مأزق خطير ومرحلة حرجة نتيجة لسياسة حكومة شارون المتطرفة التي تريد أن تترجم توازن القوى إلى"أمر واقع" في حين ان سلام"توازن المصالح"هو الذي يوفر الاقتناع لدى الشعوب للمحافظة عليه، أما سلام"توازن القوى"فهو مؤقت يحفز الأجيال القادمة على تغييره بغية تصحيح ما فرطت فيه الأجيال السابقة نتيجة لعوامل ضاغطة غير مواتية.. والواقع أن السلام لم يكن فرضا نظريا،ولا كان بالنسبة للأطراف العربية والإسرائيلية والدولية حلما،لكنه كان عملية واقعية بنيت على لفاءات واتفاقات وتعاقدات عبر اجتماعات ومفاوضات بحضور أمريكي كجزء منها وسيطا وشريكا وضامنا للالتزام بأسسها ومرجعياتها،وقطعت العملية شوطا،كان في انتظاره الشوط النهائي. إن السلام العادل والشامل والدائم له شروط تحققه، تنتظم في مستويين:الأول المستوى الداخلي ضمن حدود الدولة القومية، ويستلزم جملة من الشروط تحقق مركباته في جملة قوانين تقر بتمتع الأفراد بحقوقهم غير المنقوصة وبالتعددية والديمقراطية ضمن مجال المجتمع المدني.والمستوى الثاني،هو المستوى العالمي،الذي يستلزم مؤسسات عالمية تشرع له وفق مصالح وحقوق مختلف دول العالم وشعوبه،وتسهر على تحقيقه مما يولد الشعور بالانتماء إلى الهوية العالمية والقانون الدولي العام. والملاحظ هنا،إن نظرية السلام الدائم أو السلام الديمقراطي ناقصة بشكل خطير عندما تطبق كإطار لتوجيهات السياسة في الحالات التي يكون فيها الصراع مشتعلا،وأن الشرق الأوسط هو إحدى هذه الحالات ،حيث لا يمكن تحقيق سلام مستقر من دون حل عادل وشامل للصراع العربي-الإسرائيلي. والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها،هو أن مشهد الصراع العربي-الإسرائيلي ينطوي على مفارقات مركبة ومعقدة، فمن جهة،حالة شعبية فلسطينية تتميز بوضوح الهدف: تحقيق الحرية والاستقلال، ومن جهة ثانية، مزاج شعبي عربي محتقن ومحبط ومتوتر ومتحفز. ومن جهة ثالثة، سلوك عربي رسمي متهافت على أي حل،ومن جهة رابعة عدوان دموي اسرائيلي مستمر،مع ارتباك سياسي واضح،ومن جهة خامسة، مجتمع دولي،وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية مستنكف عن التعاطي الجدي الفاعل مع هذا المشهد (التراجيدي)،ومكتف فقط بإدارته كي لا يؤدي إلى الانفجار الشامل. وتأسيسا على ذلك،فإن ثمة تغيير جوهري يطرأ على التعامل السياسي مع القضية الفلسطينية،وهذا التغير يحدث قطيعة مع كل الأفكار والمبادئ والمصطلحات التي تم اعتمادها في السنوات الماضية،والركيزة الأساسية لهذا التغير،هي التخلي عن فكرة إنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة القابلة للحياة في الضفة الغربية وقطاع غزة والتحول نحو بدائل أخرى..!. لقد انتهى المشهد الشرق أوسطي الذي حلم به دعاة السلام في المنطقة للوصول إلى"تسوية تاريخية"للنزاع العربي-الإسرائيلي بعد وصول شارون إلى سدة الحكم في إسرائيل، واحداث11سبتمبر(ايلول) في الولايات المتحدة،واحتلال العراق، لمصلحة آخر مختلف عنه يتميز بأن العوامل المحركة للتسوية السلمية لم تعد ثلاثية(امريكا-إسرائيل-العرب) بل ثنائية في ظل الضعف العربي الرسمي مما يدفع الطرفين الأولين(اسرائيل- أمريكا)،بعد أن تلاقيا على رؤية متقاربة للمنطقة في شكل غير مسبوق إلى نبذ التسوية لمصلحة إنشاء مشهد إقليمي جديد يعملان( الآن) على تدشين مسار للتسوية على قياسه. ولا يغيب عن الذهن، أن ما يجري اليوم على أرض فلسطين، متزامنا مع حماسة الرئيس الأمريكي لتكرار الحديث عن دولة فلسطينية قابلة للحياة،لا يعني بالمطلق إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية(كما يعتقد البعض)بل هو تصفية نهائية لهذه القضية وفقا للخرائط السياسية الجديدة،التي يبدو أنها ستحكم المنطقة وتتحكم بها لسنوات طويلة قادمة،كما تحكم(بفتح التاء) التأسيس الأول لإسرائيل بمصائر المنطقة طيلة نصف القرن الماضي. ليس ذلك تشاؤما أو تشددا في الطرح،فما يبدو جليا هو،أن المجتمعين(العربي-الإسرائيلي) يتباعدان أكثر فأكثر على المستويين النفسي والمادي فالذي نشهده اليوم هو ظاهرة رفض عنيف ومتبادل،فمن ناحية نجد معظم الإسرائيليين،وقد أثارت لديهم الهجمات الاستشهادية الحنق واليأس والرعب،ومن ناحية أخرى بلغت كراهية إسرائيل في العالم العربي بسبب قمعها للشعب الفلسطيني حدا قلما شهدناه منذ زمن طويل. إن العقبة الأساسية في عملية السلام العربي- الإسرائيلي،هي في جوهر القضية وليس إجراءات العملية في حد ذاتها،ولكن قبل مناقشة جوهر عملية السلام العربي-الإسرائيلي لا بد من التساؤل: ما هي المعوقات التي اعترضت إمكانية تحقيق السلام حتى الآن؟ في الواقع، يمكن تحديد هذه المعوقات في ثلاث مجموعات هي: معوقات عامة، ودور الطرفين العربي والإسرائيلي ،إضافة إلى دور المجتمع الدولي،والمعوقات الراهنة،كما يمكن استشراف الآفاق على المسارين الفلسطيني-الإسرائيلي والسوري-الإسرائيلي على ضوء تجربة المفاوضات السابقة والمعطيات الراهنة. وبالنسبة للمعوقات العامة التي تعرقل التسوية السياسية،فان ثمة معوقات عامة تقف عقبة في وجه عملية التسوية من أهمها: طبيعة الصراع العربي-الإسرائيلي والثقافة السياسية السائدة لدى الطرفين العربي والإسرائيلي،وهيكل المفاوضات التي تمت بين الأطراف العربية وإسرائيل منذ انطلاق مؤتمر مدريد في أكتوبر(تشرين الأول)1991. طبيعة الصراع في المنطقة: إن تعقيد وصعوبة التسوية السياسية للصراع العربي-الإسرائيلي،تأتي من طبيعة هذا الصراع ذاته الذي يندرج ضمن ما يسمى بـ"الصراعات الاجتماعية الممتدة"وهي نوعية من الصراعات تقودها لغة صراع الوجود لا الحدود، وتضرب هذه الصراعات بجذورها في عمق التركيبة السكانية،وتتبلور صور العداء بين البشر الذين يبحثون عن أسس للانقسام والعداء،وعادة ما تتم العودة فيها إلى عوامل الانقسام الأولى،مثل العرق والدين.وأن تسوية هذه النوعية من الصراعات تتطلب وقتا أطول وتتم على مراحل زمنية طويلة. وعليه،فإن الصراع العربي-الإسرائيلي،وخاصة على المسار الفلسطيني يعد صراعا اجتماعيا ممتدا، فالشعب الفلسطيني وهو صاحب الأرض الشرعي،تم طرده وتشريده،بعد أن رأى الوافد من الخارج أن فلسطين"ارض بلا شعب"وجب منحها لـ"شعب بلا أرض" ومن خلال دراسة واسعة لنمط التسويات السياسية للصراعات التي تمت في بعض الحالات المشابهة(البوسنة، وكوسفو، وايرلندا) نجد أنه تم التوصل إلى العوامل الرئيسية المحددة لتسوية هذه الصراعات والتي يمكن اعتبارها بمثابة شروط مسبقة لتسوية هذا النمط من الصراعات،وهذه العوامل تتمثل في: 1- إقرار طرفي النزاع باستحالة الحل عن طريق القوة العسكرية. 2- وجود القيادات السياسية المستعدة للتسوية السياسية لدى الأطراف المتنازعة 3-غياب الانحياز من جانب القوى الدولية لطرف من الأطراف. 4-توافر الرغبة لدى قوى دولية فاعلة للتوصل إلى تسوية سياسية لهذا النزاع. وبالنظر لحالة النزاع العربي-الإسرائيلي، نجده يعاني من غياب العناصر اللازمة لاستكمال تسوية سياسية حقيقية تقود إلى سلام شامل وعادل ودائم ويشمل الغياب معظم العناصر المطلوب توافرها وذلك للأسباب التالية: *الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بعد معاهدتي السلام المصرية-الإسرائيلية والأردنية-الإسرائيلية،ما زالت تؤمن بالقوة العسكرية لحسم الصراع على المسارين الفلسطيني والسوري ايضا. *عدم توافر قيادات سياسية إسرائيلية تؤمن بالتسوية السياسية للنزاع،وقد يكون رابين آخر من كان لديه استعداد لتسوية سياسية ما على النحو الذي جسده اتفاق أوسلو على المسار الفلسطيني،و ما يعرف بــــــ""وديعة رابين"على المسار السوري. *الانحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل،ولا وجود لطرف دولي معادل يوازن هذا الانحياز أو يحد من تأثيره على الأقل. *انعدام الرغبة لدى الإدارة الأمريكية في فرض تسوية سياسية عادلة بامكانها أن تتحول إلى سلام حقيقي دائم. ولا يخفى أن اكتساب الصراع في المنطقة طابعا دينيا زاد من صعوبة الوصول إلى الحل الوسط" التاريخي" حيث أن الرداء السياسي العلماني الذي تتقمصه الحركة الصهيونية الرسمية،هو قناعا تتخفى وراءه رؤية دينية،تصر إسرائيل من خلالها على تحديد مواقفها من النزاع في المنطقة استنادا إلى اعتبارات تمليها عقائد دينية أكثر مما تمليها اعتبارات سياسية،ولأن المعتقدات الدينية،كما هو معلوم،لا تقبل حلولا وسطا،فمن الطبيعي أن تصبح الصراعات المبنية على معتقدات من هذا النوع مستعصية على الحل وعلى التسوية،فأية تسوية قابلة للحياة هي بطبيعتها حل وسط بين حقوق ومصالح متعارضة،وما لم تبد أطراف الصراع جميعها استعدادا حقيقيا ومتكافئا لتفهم حقوق الآخرين ومصالحهم والقبول بصيغة تحقيق التوازن بين حقوق ومصالح الجميع، يصبح امكان التوصل إلى أرضية مشتركة،اي صالحة لبناء اتفاق نهائي فوقها،مسألة بالغة الصعوبة. وحين يكون هناك طرف يرى الصراع من منظور سياسي وهو منظور"براغماتي"مرن بطبيعته وآخر يراه من منظور ديني وهو منظور عقائدي جامد بطبيعته، يصبح من الصعب التقريب بين مواقف الطرفين للاتفاق على مرجعية واضحة للأسس التي يقوم بها الحل.والمؤكد أنه إذا أصرت إسرائيل على رؤيتها تلك،فلن يكون هناك سلام شامل وعادل ودائم،ففي مواجهة رؤية لحقوق يهودية مستمدة من التوراة،لا بد أن تبرز رؤية مقابلة لحقوق إسلامية تعتبر فلسطين كلها أرض"وقف" وجزء من دار الإسلام"الذي لا يجوز لأحد التفريط في شبر واحد منه.(يتبــــع)0

 
 
 

 

تصميم وبرمجة :: شبكة فلسطين المستقبل
pfndnet © 2007

 

جميع الحقوق محفوظة لمركز الإشعاع الفكري للدراسات والبحوث © 2003-2007